ماكرون في لبنان… العناق المُميت

الوطن 24/ الدكتور إدريس الكنبوري

لا تزال زيارة الرئيس الفرنسي لبيروت تثير الجدل في لبنان وفرنسا على السواء، وفي العالم العربي أيضا. وسبب هذا الجدل أن ماكرون تحدث إلى المسؤولين اللبنانيين علنا أمام المواطنين وهددهم، وطالب بتأسيس ميثاق جديد مع الشعب في الأسابيع المقبلة، وبإعادة بناء الثقة والأمل، وقال إنه سيعود يوم 1 سبتمبر القادم، إن شاء الله، من أجل “إجراء تقييم معا حول هذه النهضة الضرورية”.

وإذا كان السيد ماكرون المبجل يقول هذا الكلام علنا أمام المواطنين، فيا ترى ماذا يقول في الخفاء بينه وبين الحكام حين يستقبلهم في الإليزي؟ وماذا يقول ترامب العربيد؟ لعله لا يتكلم مثل ماكرون، بل يصفع.
هل أخطأ ماكرون؟ لم يخطئ.

لكن ردود الفعل العربية في مواقع التواصل الاجتماعي مضحكة. وهذا يعكس المرض العربي القاتل.

جميع المواطنين العرب لا يثقون في حكوماتهم، وجميعهم إذا ظلموا يتوجهون إلى المنظمات الحقوقية الأجنبية، وجميعهم يفضلون البضاعة الأوروبية على البضاعة المحلية، وجميعهم يتزاحمون على بطاقة الغرين كارد للهجرة إلى أمريكا، وجميعهم يريد الهجرة إلى كندا، وجميعهم يركب قوارب الموت من أجل الذهاب إلى أوروبا، وجميعهم يريد تعلم لغة أوروبية واحدة على الأقل، وجميعهم معجب بالديمقراطية في أوروبا.

فلماذا استنكار ما حصل مع ماكرون في لبنان؟؟.، الذين طالبوا بالانتداب نفذوا عمليا ما تقوله أنت في نفسك. فلم الاستنكار؟.
الذين عاشوا الاستعمار يقولون اليوم إنه كان أكثر عدلا، فلم الاستنكار؟. والذين يحتجون ضد التعليم يقولون إن التعليم في عهد الاستعمار كان أفضل، فلم الاستنكار؟.
المواطنون العرب يشعرون بأن الدول الأوروبية تحمي الأنظمة الحاكمة، فلم لا يطالبون بحمايتهم هم أيضا من تلك الأنظمة؟.

إنها مفارقات خطيرة نعيشها في مجتمعاتنا العربية. ربما نحن أكثر الشعوب ازدواجية بين كل شعوب العالم. والخطير في الأمر أن الأنظمة العربية منخرطة في هذا الرقص المجنون، ولا تزال تستثمر في التفاهة والرعونة، لا تريد حكماء ولا عقلاء، وإنما تريد مطلبين ومنافقين يحفرون بينها وبين المواطنين فجوة غير قابلة للعبور. فهذه أول مرة نرى أن النخبة السياسية تخضع لدورات تكوينية، ثم يتم دفعها إلى الواجهة، ثم تفشل، ثم تهرب بعد أن جمعت ما يكفي من الثروة. هذه أول مرة نرى أن “رجل السياسة” أصبح مثل لاعب كرة القدم، أقضى مدة هي عشر سنوات على الأكثر، بعدها يهرب. وهذه أول مرة نرى أن النخب السياسية لا تحمل رؤية ثقافية ولا حضارية، وإنما هي طبقة من المهرجين، لذلك من الطبيعي أن يركض الناس نحو الأجنبي المخلص.

وخلف هذا العناق المميت في الصورة سم نقاع ستشربونه واحدا واحدا وأنتم تضحكون.