مشروع قانون مهنة المحاماة.. تهافت الانتقاد وتوجس الاعتقاد

الوطن 24/ بقلم: جعفر المهدي
بعد فترة من القلق والتوتر في أوساط مهنة المحاماة حول مضمون مشروع القانون الجديد المنظم للمهنة ومدى التزامه بالتوصيات المنبثقة عن المؤتمر الوطني الثاني والثلاثين للجمعية والتوافقات المتوصل إليها في إطار الحوار والتشارك بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب والسلطات الحكومية، خرج مشروع القانون رقم 66.23 بتنظيم مهنة المحاماة مع مذكرة تقديم من الأمانة العامة للحكومة لتبين للناس بعض المستجدات التي جاء بها المشروع بطريقة تبعث على الأمل في غد مشرق لمهنة المحاماة.
إلا أن الأمر لم يلبث إلا عشية أو ضحاها حتى توالت البيانات الاستنكارية من كل حدب ونسل والبلاغات الرافضة تندد فيها الجهات المعنية بعبارات مشددة اللهجة عن رفض مطلق لهذا المولود الجديد، الذي أضحى موضوع كل نقاش في الوسط المهني لا يكاد يسلم من سخط مما اعتبر انتكاسة تشريعية ماسة بالمبادئ الأساسية للمحاماة وباستقلاليتها ومكتسباتها التاريخية.
فكان لابد من الوقوف وقفة تأمل في هذا المشروع واستقراء مضامينه واستيعاب أبعاده القانونية في معزل عن صخب النقاش العام حتى تتضح الرؤية ويستقر القرار وتتكون القناعة الوجدانية بكل حياد واستقلال وتجرد وجرأة طبقا لما يوجبه العرف المهني للمحاماة.
إن الخوض في الحديث عن المشروع الجديد وتحليل مضامينه وتقييم مدى ارتقائه بالجسم المهني و بالممارسة الفضلى للمحاماة واستجلاء ما يعتريه من نواقص يقتضي قراءة متأنية وتحليلا هادئا للنص التشريعي وتحري الدقة في تأويله واستنباط مقاصده ومقارنتها بالقانون الحالي مقارنة موضوعية واجتناب الأحكام المسبقة أو تبني المواقف الجاهزة .
كما أن الخطاب الانتقادي وجب أن يتحرى الدقة في التعبير عن مكامن الخلل في النص التشريعي واستيضاح جوانب مساسه بمكتسبات المهنة واستقلاليتها أو بالمبادئ الدستورية المستقرة، بعيدا عن استعمال التعابير العامة والشعارات الأخاذة التي تحمل في طياتها مبادئ متعارف عليها كأنها بطاقة تشهر للفوز بكل نقاش دون تحليل أو تفكير.
فإذا كان المحامي هو صمام الأمان لضمان حسن تطبيق القانون وحسن تأويله والحيلولة دون الانحراف أو التعسف في تنزيل مضامينه، فهو كذلك الخبير القانوني الذي يحلل المقترح التشريعي الجديد بقراءات دقيقة وينظر إليه بعين تحليل وانتقاد دون توجس أو اعتقاد، حتى يتحقق له الوصول إلى تقييم سليم للنص التشريعي ومدى ارتقابئه بالجسم المهني من عدمه.
إن كل عمل تشريعي يهم مهنة أو قطاعا معينا لا شك أنه يتأرجح بين القدرة على ضمان المكتسبات المهنية وترسيخ صلاحيات منتسبيها وتكريس حماية قانونية لمراكزهم القانونية و تخويلهم امتيازات محددة تفرضها طبيعة مهامهم وطريقة اشتغالهم واحتكاكهم بمحيط عملهم، وبين ضرورة الحرص على إقرار رقابة مشروعة تحول دون انحراف أو زيغ عن الغايات المبتغاة أو التعسف في الامتيازات أو الإخلال بالواجبات.
وإذا كان القانون قد خول مجالس الهيئات صلاحية أصيلة في الإشراف على عمل المحامين المنتمين إليها وتنظيمها، ومراقبة مدى الالتزام بأعراف وتقاليد المهنة وأداء واجبهم بما يفرضه القانون، والتصدي لكل المخالفات وفق مساطر قانونية محددة واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، فإن القانون الجديد جعل المسألة تحت رقابة جهاز النيابة العامة ممثلة في شخص السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف.
ولعل موضع الاختلاف والخلاف الأكبر هو هذه الرقابة على عمل المحامين ومجالس هيئات المحامين التي منحها المشرع في المشروع الجديد، كما كان عليه العهد في القانون الحالي، إلى النيابة العامة إذ منحها صلاحيات واسعة واشرافا مهما على أعمال هيئة الدفاع ورقابة على ما يصدر عن مجالسها، بما يوحي بتضيق مرير لصلاحيات مجالس الهيئات ومكانتهم داخل الجسم المهني.
و ما زاد هذا الاختلاف حدة هو أن النيابة العامة المشرفة على مهنة المحاماة هي نفسها خصمه الأصيل في الدعوى العمومية التي يؤازر فيها المحام موكليه، بما يجعلها بطريقة أو بأخرى خصما له في الدعوى ومشرفا في نفس الحين على عمله ومراقبا له. وهي وضعية تثير حقيقة عدة إشكالات عملية وقانونية تجعل المحامي في حالة غير متوازنة إزاء سلطة النيابة العامة في محراب العدالة، تجعله تحت وطأة تهديد بالمسائلة والمتابعة من خصمه المذكور، وهو ما يهدد حصانته واستقلاليته وفعالية أداء واجبه بالجرأة التي تقتضيها مهامه.
ومع ذلك فإن هذا التخوف سرعان ما يتبدد حينما ندرك من خلال النص التشريعي أن النيابة العامة لا تملك سلطة تقدير مشروعية قرارات الهيئات أو مقررات نقبائها ولا سلطة تقريرية بشأنها ما تتخذه من متابعات، وإنما تنحصر صلاحيتها في الطعن في المقررات المتخذة من طرف النقيب أو مجالس الهيئات أمام جهة قضائية محددة (غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف) لها سلطة البت في الطعون المعروضة على أنظارها وتقول كلمتها للفصل في موضوع الطعن المعروض عليها، وهي جهة قضائية مستقلة تبت طبقا للقانون وتخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض.
ثم وجب التأكيد على أن الاستقلالية والتنظيم الذاتي للشأن المهني لا تعني إطلاقا عدم الخضوع في ذلك لرقابة قانونية مؤسساتية مستقلة هي الأخرى ومحايدة، وذلك تماشيا مع مبدأ فصل السلط الذي يفرض تميزا بين جهة التنظيم والتقرير وجهة المراقبة والمراجعة. لأن انعدام الرقابة هو مدخل من مداخل التسلط والانحراف عن المقاصد النبيلة.
إن المشروع الجديد حقيقة أتى بمستجدات هامة لطالما طالب بها المحامون وكرس بشكل واضح احتكار هيئة الدفاع مهام التمثيل والنيابة أمام القضاء وفصل في اختصاصاتها وحدد مجال عملها ونظم علاقتها بالمحاكم وموكليه، كما أرسى اللبنة الأساس لإنشاء معهد تكوين المحامين وحدد شروط جديدة لولوج المهنة وحظ على التكوين المستمر للمحامين وتخصصهم وهي مستجدات لا يمكن إلا أن تلقى تنويها واستحسانا. إضافة إلى وضع المشروع التزامات قانونية جديدة على عاتق المحامين يمكن أن تعتبر واجبات مهنية تصب في صالح تجويد عمل المحامي والرفع من جودتها. وفي مقابل ذلك فإن المشروع لم يحسم في مسألة إلزامية الاستعانة بمحام من طرف المتقاضين وجاء بصيغة مبهمة تحتمل التأويل وتبعث على القلق حول ضمان الحق الراسخ لكل إنسان في مؤازرة الدفاع وتمثيله من طرف محام في القضايا المعروضة أمام القضاء، تطبيقا والتزاما بما نص عليه الفصل 120 من الدستور من ضمان الحق في الدفاع أمام جميع المحاكم.
وأخيرا فإن المشروع لم يتمكن من صياغة فلسفة جديدة لرسالة الدفاع ولم يجعل لها المقام المحمود في منظومة العدالة، ولم يقدم حلولا تشريعية تتجاوز الإكراهات والتحديات الجديدة التي تواجهها المهنة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع وسرعة التحولات الرقمية وما تفرضه من مواكبة وتطوير طريقة الاشتغال، واستعمال ما توفره التكنولوجيا الحديثة في مجال التواصل الرقمي التي تختصر الوقت والجهد وتيسر سبل العمل، مما يجسد ضعف الرؤية التشريعية وانعدام تصور حديث ومعاصر لمهنة المحاماة.
