مغاربة حركة شام: قراءة موجزة في النشأة والمأل

الوطن 24/ بقلم: أنور أديب

مقدمة

ترك المغاربة بصمة بارزة في السياق الجهادي المعاصر فمن أفغانستان التي حاربت الشيوعية وبعدها الأمريكان ثم بلاد البلقان متمثلة في البوسنة التي كانت تصارع لإثبات هويتها الدينية وسط محيط متطرف من الصرب والكروات، والشيشان في سعيها للاستقلال عن وريثة الاتحاد السوفييتي روسيا الاتحادية واخيرا بلاد الشام (سوريا) التي خرج أهلها ثائرين ضد النظام السوري؛ شاركوا في كل هذه الساحات الساخنة على مختلف الجهات وفق خلفية إسلامية تحديدا “سلفية جهادية” بحيث تم احتواء أغلبهم ضمن إطار تنظيمي القاعدة” و تنظيم الدولة” باعتبارها رايات شرعية واضحة وفق الأدبيات الجهادية، يعكس هذا توفر أسباب موضوعية تشرح ظاهرة عبور  هذه المجموعات إلى بؤر النزاع والصراع، اذ لعبت الدعاية والبرنامج الإعلامي لدى تلك التنظيمات دورا كبيرا في نشوء الجهاد العالمي والمعولم الذي يتخطى الحدود باحثا عن حلم بناء المجتمع الإسلامي الملتزم بالشريعة عبر الحروب والمعارك التي يخوضها ضد القوى العالمية حاشدا خلفه جموع الأمة بحيث كانت هذه الاستراتيجية  التي خطها التيار، إضافة إلى العوامل الاجتماعية التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات في مناطق محلية معينة ، مع بقاء أهمية الإقصاء الاجتماعي في تحديد تجارب ليس فقط الإسلاميين المتطرفين ولكن معظم التطرف اليوم؛ كما أن عدالة القضية في نظرهم والتضحية من أجلها بالموت يؤثر عاطفيا على الأخرين…

 يوفر هذا الإطار المفاهيمي لهؤلاء الشباب “نقاط مرجعية لشرح وضعهم الاجتماعي والاقتصادي الهامشي وكذلك مخرج” كل هذا يتناغم ليحقق أعلى مستويات الجذب الأيديولوجي لدى المجموعات الجهادية.

يجب أن يكون معروفًا أن الظواهر التي تنشأ في مختلف المناطق التاريخية والأقاليم يمكن أن تتفاعل وتستجيب لبعضها البعض من وجهة نظر ذاتية. يمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، من خلال الأخذ في الاعتبار الأحداث الهامة لعام 1979. غزو أفغانستان، اتفاقات كامب ديفيد التي يُنظر إليها على أنها خيانة لليسار العربي والثورة الإيرانية لا علاقة لها ببعضها البعض ولكنها تعتبر بمثابة افتتاح فترة تتميز بالطابع الثوري للإسلاموية. لا يمكن لأي مؤرخ أن يثبت أي صلة بينهما، ولكن من خلال حقيقة أنها تحدث في نفس المكان والزمان، فإنها تتفاعل وتحدد ذاتية جديدة تتجاوز الإطار الإقليمي المعني مباشرة.

لا تزال الحرب السورية تلقي بظلالها القاتمة تاركة وراءها ازمات غير مسبوقة على مستوى الوجود الإنساني. بعد 9 سنوات متواصلة من أشكال الصراع عسكري وسياسي وإعلامي لم تنته قصة الثورة بعد بل تعقدت الأحداث بدخول الأطراف الخارجية التي ترى في ذلك فرصة مواتية في تعزيز نفوذها وتصحيح أخطاء التاريخ ورسم خريطة جديدة للمنطقة تتسيد اسرائيل فيها المشهد أو تلك الدولة او غيرها، لم يعد مهما من سيكون بقدر ما أصبح مهما متى سيتوقف كل هذا ويتسنى للمنطقة أن ترجع إلى نوع من الاستقرار والأمن يضمن للناس العيش بعد كوابيس الحرب ومخلفاتها…

 ١ الربيع العربي وبداية القصة:

تفاقمت أزمة الأنظمة العربية القائمة بشكل حاد مع الربيع العربي منذ عام 2011. وقد أدى ظهور المجتمعات المدنية التي تتحدى الاستبداد والفساد إلى إضعاف شرعية الدول، التي كان ينقصها الكثير. في الأصل لم يتم قبولها إلا بعد الهزائم العسكرية للأغلبية المحلية. وهكذا أصبحت أزمة الأنظمة هي أزمة الدول التي تشترك في حقيقة أنها لم تنجح أبدًا في توليد المواطنة المشتركة.

وفرت تلك الموجة مجالا واسعا لأنواع الاحتجاجات بشتى أطيافها الإيديولوجية من يساريين واسلاميين وليبراليين في تعبير يعكس الاستياء الشعبي من الأوضاع التي يئن تحتها المواطن العربي فمن التخلف الاقتصادي إلى نظم الحكم التسلطية الاستبدادية وانعدام العدالة الاجتماعية التي يضمنها الخيار الديمقراطي او الإسلامي بحسب صوت الشارع؛ كل ذلك وغيره (العوامل الخارجية) تظافر ليشكل موجة ضد الأنظمة السياسية تطالبها بالرحيل وترك الحكم. وقد تم لها ذلك في بعض البلدان: تونس وليبيا واليمن على عكس دول أخرى كسوريا والبحرين.

تطلعت كل قوى المجتمع ان تكون صاحبة الصوت في السياق الثوري تحت دوافع إيديولوجية طالما تبنتها قبل ذلك؛ سأهتم بالظاهرة الإسلامية باعتبارها مكون أساسي وهام في الربيع العربي فمن الإسلام السياسي إلى السلفية الدعوية ثم الجهادية كل هذه الاتجاهات كانت حاضرة في زخم الاحتجاجات السلمية والمسلحة التي أفرزت جملة من المتغيرات أثرت في الأوضاع الداخلية بعد ذلك.

انقسمت مواقف الصف الإسلامي أمام موجة الثورات مع أنهم اتفقوا على جوهر القضية الكامنة في ضرورة الإصلاح نتيجة تردي جوانب الحياة في الوطن العربي مع الاختلاف في السبل الموصلة إلى ذلك؛

 «المدرسة الحركية» ، و تجمع في إطارها العام بين الدعوة السلفية و العمل الحركي أو التنظيمي من دون العمل المسلّح، لكنها تختلف في التفاصيل حول قضايا متعددة منها الموقف من الحكام و الجماعات الإسلامية الاخرى والديمقراطية و العمل النيابي.

.  أما “السلفية التقليدية” فركزت على نشر الدعوة والعلم الشرعي والبعد عن العمل السياسي، وإن كانت لا تأخذ موقفاً سلبياً أو حادّاً من الحركات الإسلامية الأخرى، ولا تحرّم العمل السياسي والبرلماني بالمطلق، إنما تربطه بشروط وحيثيات محددة. أما “الجامية” ترى الخروج على الحكام محرما ومنكرا باعتباره فتنة مفاسدها راجحة على مصالحها فهم فوق ذلك ولاة أمر شرعيين؛ اما السلفية الجهادية فقد كان لها قول آخر يتباين مع الأخير فهي تعتقد بكفر تلك النظم الحاكمة كونها عطلت الشريعة وحكمت بما يناقضها من تشريعات البشر والموالاة للدول الغربية، وبالتالي فيجب الخروج عليهم بالسلاح؛ ولم يكن الربيع العربي مناسبة يتم تفويتها وبالتالي تطلعت السلفية الجهادية إلى رفع راية الجهاد ونقل شعارات الربيع العربي من العدالة الاجتماعية والكرامة إلى تحكيم الشريعة وفق النظرة السلفية (سوريا نموذجا).

٢ الفكر السلفي الجهادي في المغرب:

مفهوم السلفية: لا شك أن النسبة ترجع إلى ما يعرف ب (السلف الصالح) كما هو مشهور في إطار الدراسات الإسلامية وقد تنوعت التفسيرات المطروحة حولها، يمكننا اختزالها في بعدين بارزين:

تاريخي وهي الفترة الممتدة من وفاة صاحب الرسالة إلى القرن الثالث لكنّ هذا التحديد التاريخي لم يوجد اعتباطا، إنما تمخض عن حديث رواه البخاري ومسلم يقول: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته”.

منهجي وهو تقديم النقل على العقل ف السياق العقدي والغيبي (ابن تيمية) وفي المجال الفقهي “ابن حزم الظاهري”: العمل بالنص وحرمة عرضه على العقل بأية حال.

 تقدم السلفية نفسها في العصر الحديث في سياق احيائي لما طمس من معالم الدين ونقض التأويلات المغايرة للفهم السلفي ف القرون المتقدمة، انظر ابن القيم في كتابه: “الصواعق المرسلة” حيث اعتبر التأويل طاغوتا). فالغرض من انبعاثها هو تنشيط ماضي السلف الديني قصد الاجابة عن حاجيات وطموح الحاضر.

في القرون الأخيرة تم إحياء “السلفية” من طرف محمد بن عبد الوهاب (1115-1206هـ)، الذي تبنى، كما روج لذلك، “مذهب السلف الصالح في نسخته الحنبلية، قصد تقويم العقيدة وقواعد التعبد. على أنه، ابتداء من القرن الـ 19م، لم تعد السلفية التقليدية (الوهابية)، الوحيدة بالساحة، بل أوجدت ظروف الاستعمار سلفيات يمكن وصفها بالهجينة.

الحديث هنا عن “السلفية الوطنية” التي ظهرت كخيار لمواجهة القوة الاستعمارية، وكذا “السلفية الإصلاحية” التي برزت كخيار لمواجهة الغرب بوصفه “حضارة غازية”. في حين ظهرت، بعد استقلال الدول الإسلامية، “السلفية الحركية” كدعوة لاستعادة الخلافة التي فقدت بسبب الاستعمار ووريثتها الدولة الوطنية، وكذا “السلفية الجهادية”، التي ظهرت بقصد مواجهة الدولة الوطنية والمجتمع معا باعتبارهما “كافرين”.

* سياق تطور السلفية تاريخيا:

يتميز المشهد الديني في المغرب بالتنوع والتعدد فالصوفية والطرقية والأشاعرة كلها أشكال تضرب بجذورها في تاريخ المنطقة ما شكل تحديا أمام اجتياح السلفية وتغلغلها، بالعودة إلى نشأة السلفية في المغرب، فإن ملامحها الأولى بدت مع السلطان محمد بن عبد الله بن اسماعيل وابنه سليمان-الذي أرسل وفدا إلى الحجاز للقاء حكامها الجدد وتبيان أمر دعوتهم- كان “عالما سلفيا”، مالكي المذهب، حنبلي العقيدة، ومن ثم نهى عن دراسة كتب الكلام، وحبب بالمقابل العقيدة السلفية. يورد المؤرخ المغربي، أحمد بن خالد الناصري، في كتابه “الاستقصا” أن وريث السلطان، المولى سليمان، قام من بعده بإصدار مرسوم ينهى عن المواسم التي تقام على أضرحة الصالحين، بل وذهب أبعد من أبيه بإرسال وفد إلى السعودية لمدح دعوة عبد الوهاب. حتى حدود أواخر القرن الـ 19 وبداية القرن 20، إذ ظهر شيخ في فاس اسمه عبد الله بن ادريس السنوسي. درس الأخير في القرويين، وكان صوفيا في البدء، ثم سافر إلى الهند ليدرس بمدرسة “أهل الحديث”. ولما عاد إلى المغرب، أخذ يدعو إلى منهجه السلفي في غضون ذلك، ظهر شيخ آخر اسمه أبو شعيب الدكالي، وقد درس بالأزهر فتأثر بمحمد عبده ورشيد رضا… الدكالي كان قد عاد إلى المغرب إبان الاستعمار وولاه السلطان عبد الحفيظ وزارة العدل، ومن بين أبرز تلامذته، محمد بن العربي العلوي. بعد هؤلاء، ظهر شيخ اسمه محمد تقي الدين الهلالي… كان تلميذا لابن العربي العلوي، متصوفا في البداية هو أيضا، ثم جال بلدانا عديدة ليدرس علم الحديث، ويعتبره البعض أول من أرسى فعليا أعمدة الوهابية في المغرب. يظل أبرز تلاميذ الهلالي جميعا، محمد بن عبد الرحمن المغراوي، الذي أسس عام 1976م جمعية الدعوة للقرآن والسنة، المؤسِّسةِ لدور القرآن في المغرب. لاحقا، انقسم تيار المغراوي إلى قسمين؛ من ظلوا تُبَّعاً له ومن اتبعوا شيخا سعوديا اسمه ربيع المدخلي… المدخلية في المغرب أنشأوا من جانبهم مراكز أطلقوا عليها “دار الحديث” فضلا عن هؤلاء، نجد في المغرب سلفية غير منظمة.

بفعل تضييق الخناق عليها من طرف الدولة تعرف بـ” التيار الجهادي” … هذه السلفية بدأت تظهر مع بروز تنظيم “القاعدة”، واشتهرت في أحداث 16 ماي؛ وضعت بذورها الأولی خلال الحرب الأفغانية، ثم فجّرتها حرب الخليج مع بداية التسعينيات، و نجمت عن التزاوج بين السلفية (محمد بن عبد الوهاب ابن تيمية) والمتمذهبين بتلك الدعوة ابو محمد المقدسي؛ والايديولوجيات الجهادية (سيد قطب) و أخذت مساحة انتشارها الجغرافية تتوسع في كثير من دول العالم، مع انتشار تنظيم القاعدة.

 تعود جذور الحركات السلفية-الجهادية السنية إلى نهايات السبعينيات من القرن الماضي. وقد بدأت تحديداً في مصر، حين تشكلت مجموعات جهادية تهدف إلى قلب أنظمة الحكم في العالم العربي. حيث اشتهر كتاب “الفريضة الغائبة”،  ليكون بمثابة الدليل لتلك الحركات.

يقول مؤلفه محمد عبد السلام فرج: إن المسلمين “يلتزمون بكثير من الفرائض الدينية، لكنهم غيبوا فريضة أساسية وهي الجهاد”. ودعا إلى أولوية قتال “العدو القريب” – ويقصد به الأنظمة الحاكمة في الدول ذات الغالبية المسلمة – على قتال الأعداء الخارجيين، أو “العدو البعيد”.

تزاوجت الأفكار الجهادية القادمة من مصر، مع الأفكار السلفية القادمة من دول الخليج في أفغانستان. وكان المنتج الجديد هو السلفية-الجهادية. وترجم ذلك عمليا لاحقاً بتحالف بين المصري زعيم تنظيم القاعدة حاليا أيمن الظواهري، وزعيمه السابق، الداعم للجهاد الأفغاني أسامة بن لادن. وأعلن عام 1998 عن تأسيس “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين”. وبدأ ما يعرف بـ”الجهاد العالمي”.

 على غرار ذلك يمكننا القول أن السلفية الوطنية افلت بانتهاء مرحلة الاستعمار ووفاة زعمائها “علال الفاسي” وفتح المجال للسلفية الوهابية. فخلال فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ظهر ما يشبه التحالف بين الدولة والحركة السلفية. يقول أبو اللوز. “كانت الدولة في حاجة إلى السلفية لضرب التيار الماركسي وحركات الإسلام السياسي مثل جماعة العدل والإحسان.

ومع انعطافة حرب الخليج انقسم التيار السلفي على نفسه بسبب فتوى ابن باز حول جواز الاستعانة بالأمريكان، فرد التيار الثاني توجهات زعماء السلفية التقليدية ونددوا بالسياسات التي تنتهجها الحاضنة الأم للسلفية-السعودية- مهد الانشقاق لمسار جديد غير منظم، رغم وجود شيوخ معروفين على رأسه، أطلق عليه لاحقا وصف “السلفية الجهادية. بادر عدد من شبابه إلى تأسيس خلايا جهادية، دون أن تربطهم علاقة تنظيمية برموز التيار المعروفين مثل الشيوخ محمد الفيزازي وعمر الحدوشي وعبد الكريم الشاذلي. يقول أبو اللوز “عمل أفراد التيار تحت أعين السلطات التي لم تتدخل للحد من انتشارهم. لكنها كانت تراقبهم. وبمجرد وقوع هجمات الدار البيضاء (16 أيار/مايو 2003). قامت بزجهم إلى السجون والمعتقلات.