المغرب: ندوة حول العلم والدين والفلسفة في كتاب ا لإله والعلم وفيلم بين نجمين

الوطن24/متابعة 

نظم مركز المركز الأقصى للدراسات والأبحاث مائدة مستديرة في موضوع: “أسئلة العلم والدين والفلسفة في كتاب “الإله والعلم والبراهين” وفيلم “بين نجمين” [Interstellar]، يوم السبت 15 أكتوبر 2022 بمدينة سلا.

استعرضت زكية الحامدي، باحثة سينمائية ومديرة تصوير، عبر عرض مرئي أهم مضامين فيلم “بين نجمين”، من خلال تركيزها على شخصية مخرج الفيلم وبطله، وبعض الأحداث التي ميزته.

بخصوص شخصية مخرج الفيلم كريستوفر نولان، فقد اعتبرت الحامدي أن الأمر يتعلق بأحد أهم المخرجين العالميين في العصر الراهن، واشتهر بمجموعة من الأفلام التي تبدو بصمته واضحة فيها، ومنها تعامله مع سؤال الزمن في بعضها أو أسئلة العلم والاكتشافات العلمية في أعمال أخرى، متوقفة عند القراءات العلمية والدينية والفلسفية الخاصة بالفيلم موضوع المائدة المستديرة.

في الشق العلمي، يشاهد المتفرج أحداثا تهم عدة نظريات علمية من قبيل الجاذبية والثقب الأسود والنظرية النسبية، وهي حصيلة عمل نظري قام به المخرج طيلة سنوات قبل إخراج الفيلم رفقة باحثين وعلماء منهم من حاز على جائزة نوبل.

في الشق الديني، فقد كان حاضرا مع تأمل شخصية بطل الفيلم كوبر الذي جسده الممثل ماثيو ماكونهي، واتضح ذلك في عدة مقامات، فهو تارة صاحب رسالة إنسانية، وتارة أخرى المنقذ أو المضحي، كما اتضح على الخصوص أثناء تعامله مع نظرية البعد الخامس في خاتمة الفيلم حيث كان تعامله أشبه بتعامل إنسان فوق طبيعي أو المخلص، وهذه رؤية تتقاطع مع رؤى دينية غيبية.

أما الشق الفلسفي، فقد كان حاضرا سواء مع بطل الفيلم أو البطلة الأخرى التي جسدت دورها آن هاثاواي، من خلال ترويج قيمة الحب، سوءا تعلق الأمر بحب الآخر أو حب المعرفة أو حب الإنسانية، بل كانت هذه القيمة أحد مفاتيح الانفراج عند البطلين معا.

وأخيرا اعتبرت زكية الحامدي أن الفيلم نجح لعدة اعتبارات منها مؤشر المصداقية الذي تميز به والتوفيق الذي جمع مقام سينما المؤلف ومقام الرواج الجماهيري الكبير الذي حظي به لأن الأمر يتعلق بحالة نادرة في المجال السينمائي، أما بخصوص أهم خلاصات ونتائج الفيلم، فقد لخصتها المتدخلة في نقاط ثلاث: البحث العلمي، الدفاع عن البيئة والإنسان، والحب.

ــ منتصر حمادة، باحث في الإسلاميات: كانت مداخلته مخصصة للتوقف عند كتاب “الإله والعلم والبراهين”، مع استعراض معالمه الكتاب وجدته، وطبيعة التفاعل معه في الساحة الفرنسية والعربية، مستعرضا التباين في تلك التفاعلات، وهو الكتاب الذي كان مخصصا للاشتغال على تفسير الخلق العالم، بين أطروحة الخلق الإلهي للكون وأطروحة مغايرة تدافع عن الخلق المادي المنفصل عن الغيب، مع تبني المشرفين على العمل الأطروحة الأولى.

اعتبر المتدخل أن التفاعل مع الكتاب وخاصة الخوض في ثنائية الدين والعلم، كان مختلفا بين الساحتين الفرنسية والعربية، فقي الأول، وبالرغم من سيادة نمط لائكي في علاقة الدين بالسياسة والعلم، كان التفاعل نوعيا ومستفزا للخطاب العلمي المادي على الخصوص، خاصة أن الاكتشافات العلمية المرتبطة بالنسبية إجمالا، من قبيل ميكانيكا الكم، أفضت إلى تقويض الخطاب الإلحادي، وهذا عين ما تضمن الكتاب، من خلال الاستشهاد بأبحاث أهل الفيزياء والبيولوجيا، كأننا إزاء بانوراما علمية متعددة المشارب تصب في البرهان على وجود الله، بصرف النظر عن الفوارق بين الخطاب الديني والخطاب العمي، وجاءت هذه البانوراما مؤسسة على أبحاث أسماء علمية وازن حازت على جائزة نوبل، بخلاف الأمر مع الساحة العربية، حيث كان التفاعل متواضع لعدة اعتبارات، منها المشاكل المرتبطة بالبحث العلمي، عدم المواكبة للجديد في الإصدارات ذات الصلة بثلاثية الدين والعلم والفلسفة في الساحة الغربية، على الأقل في الساحة الأوروبية الأرق جغرافيا للمنطقة العربية، ضمن أسباب أخرى.

كما توقف المتدخل عند بعض المؤاخذات على الكتاب، منها غياب صوت النصوص الإسلامية، على اعتبار أن الكتاب تضمن وقفات مع ما جاء في الإنجيل والتوراة بخصوص موضوع الكتاب، في ما اعتبره ترويجا لمركزية دينية غربية في الكتاب، مقابل غياب أو تغييب ما تضمنه القرآن حول الموضوع نفسه، معتبرا أن هناك احتمالان اثنان يقفان وراء ذلك: إما أن واقع البحث العلمي في محور طنجة ـ جاكارتا يبقى متواضعا وبالتالي كان هذا المعطى سببا وراء استبعاد مساهمة المسلمين اليوم، أو إن التغييب كان مقصودا لاعتبارات نعاينها في الفصول الأخيرة من العمل، حيث تم إدراج قضايا سياسية شرق أوسطية لا علاقة أساسا بموضوع الكتاب.

بخصوص تقاطع القراءات العلمية لنظرية الخلق الإلهي في الكون مع النصوص الدينية، فاعتبر المتدخل أنها تذكر بخطاب الإعجاز العلمي الذي يروج له بين الفينة والأخرى، سواء في الساحة الأوربية مع بعض التيارات أو في المجال العربي الإسلامي، لكن مع فارق جوهري مفاده أن أغلب هذه الاكتشافات العلمية تأتي من المجال الغربي، بخلاف السائد لدينا بما يورطنا من حيث لا ندري في تناقضات تسيء إلى الدين والعلم في آن.

ــ يوسف شريف الميموني، باحث في الفلسفة، فقد اعتبر أن الحدث الثقافي المزدوج المتمثل في صدور كتاب”الإله، العلم، الأدلة. العلم حليفا للإله” (2021) ومن قبله الفيلم السينمائي “بين نجمين” أعاد إحياء السجال داخل الأوساط العالمة وبين عموم الجمهور حول أولية العلم وأولية الدين وحدود المعرفة البشرية وغيرها من الأسئلة، مضيفا أنه إذا كانت الروابط التاريخية ما بين العلم والدين أكثر من مؤكدة من جهة كونهما معا يحملان في مضمون خطابهما عناصر النظر في المبادئ الأولى والعلل الأولى فان نفس الروابط لطالما أشرت  على التوتر والوصاية والتنافر لا لشيء إلا لان كلا من الدين والعلم إنما يعتبران أن لهما حقوقا متساوية أمام الحقيقة، وقد توقف في مداخلته عند ثنائية الدين والعلم وفقا لرؤية فلسفية خارجية دون أي خوض في تلافيف توترات هذه الثنائية وذلك في لحظتين اثنتين: لحظة  الدين والعلم ومعضلة الحقيقة وتطمح إلى مقابلة الدين بالعلم وفقا لمقاربة فلسفية، ولحظة  الكتاب والفيلم وتطمح إلى تلمس حضور ثنائية الدين والعلم في مضامين كل من الفيلم والكتاب.

كما اعتبر يوسف شريف أن ما يجمع بين العلم والدين هو بالضبط ما يفرق بينهما، لأن خطاب الدين مثله مثل خطاب العلم يقوم على معيار حقيقة معين، وأن الأساس الثقافي لكل منهما يقصد أن يكرس صورة بناء نسقي وموحد، حيث ينزع العلم نحو إبداع معرفة عقلانية منهجية وموضوعية في حين أن الدين متضمن لمفاهيم الاعتقاد، ويحيل إلى ما لا يمكن تأكيده آو تفنيده، انطلاقا من كون حقائقه مطلقة متعالية. يقصد الدين عبر ثبات أجوبته وخلودها أن يخدم سؤال الحقيقة ضدا على حقائق العلم التاريخية الظرفية، فحقائق الدين قديمة قدم الحق وهي تنزل إلى الواقع عكس العلم الذي ينطلق من الواقع نحو الحقيقة مرتكزا على أساسه العقلي أي قدرته على البناء النظري وأساسه التجريبي أي قدرته على امتحان الفرضيات واختبارها، مؤكدا أن هذا المعطى لا يمثل دعوة بأي حال إلى اعتبار ثنائية الدين والعلم ثنائية لا يمكن تمثلها إلا وفقا لشبكة قراءة ضدية، حيث الواحد هو بمثابة النقيض للآخر فنحن ندرك جميعا بان حقولهما مختلفة ورهاناتهما متباينة، بل حتى داخل نفس الحقل قد تعثر على تباينات، وليس أدل على ذلك من مسألة الخلق بلغة الوحي القرآني آو التكوين بلغة العهد القديم.

في تفاعله مع مضامين كتاب “الإله والبراهين”، اعتبر المتدخل أن الكتاب يطمح إلى إبراز تماسك أطروحةالتوفيق والمصالحة ما بين الدين والعلم على الأقل على مستوى مشكلة الخلق وتكييفها مع فرضية الانفجار العظيم وهو أمر لا تكاد تخطئه عين القارئ فمنذ الصفحات الافتتاحية للكتاب وبالخصوص مع التصدير الذي صاغه روبير ويلسون الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء، نقف على توجيه مقصود نحو تبني المماثلة ما بين معطيات العهد القديم وفيزياء التوكيد الانطولوجي إي الفيزياء الإيمانية.

أما مع الفيلم، فقد اعتبر يوسف شريف أنهفيلم سينمائي مستحق للعلامة الفلسفية الكاملة، خاصة أن المشاهد يجد نفسه، وذلك منذ اللحظات الافتتاحية، مطوقا بأسئلة العلم الفيزيائي المعقدة من جاذبية نيوتن إلى نسبية اينشتين وعلاقتها بثنائية الفضاء ــ المادة، بالإضافة لمشكلات سرعة الضوء والثقب الأسود ومعطيات الفيزياء الكوانطية. فيلم بتعقيد بالغ يحاكي تيمة قرب نهاية العالم الأرضي ومعه الوجود البشري وذلك عبر الانفتاح على مستويين اثنين: المستوى الأول ويخص الشرط الانساني ونقصد به الإنسان أمام حتمية النهاية التي أصبحت تتأكد أمامه وهو يرى حاضنة وجوده أي كوكب الأرض محتضرا، مقبلا على أن يصير كوكبا تستحيل الحياة على سطحه. ثم في المستوى الثاني نقف على سجال إيجاد مكان بديل يضمن للنوع الإنساني الاستمرار، سجال يرافق المتفرج طيلة مدة الفيلم الطويلة نسبيا، وفيه يعرض المخرج بمنهجية سردية متسقة لفرضيات علمية ولكلفة تجريبها. كما يسجل المتفرج يضيف شريف الميموني، الحضور القوي لسؤال الزمن ضمن البنية السردية للفيلم فهو يمثل بحق حجر الزاوية في الحبكة السينمائية للفيلم فعبره تجري عملية التشكيل الفني والجمالي وعبره نفهم على نحو أفضل الدلالة البصرية لنسبية إنشتاين ونعي على نحو أمثل المقصود بالثقب الأسود، معتبرا أنه بالرغم من عاصفة الانتقادات التي واجهت فيلم نولان داخل الوسط السينمائي والعلمي على السواء لما اعتبرته مبالغة في التخييل وإفراطا في تأويل النظرية العلمية، فانه لا يسع المرء إلا أنهذا يحتفي بهذا التخييل الذي لا يقصد غير حمل المتفرج نحو رحابة جمالية وذلك عبر شحذ وعيه البصري، خاصة أن الرهان بقي معلقا بالنسبة للكتاب في حين أن الفيلم استطاع رفعه دون دفع أو إكراه للمشاهد.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *