نسر يعلّم البشرية كيف تهتدي بالفطرة إلى الصواب.

الوطن24 / بقلم: ذ. عبد الجبار الحرشي
هل يُعقل أن يقطع نسر آلاف الكيلومترات عبر قارات ودول، ويتجنّب بشكل دائم عبور البحر؟ نعم، هذا ما أثبته مشروع علمي في روسيا، حين قرر فريق من الباحثين تتبّع مسار هجرة نسر السهوب (Steppe Eagle) عبر جهاز تعقب متطور. كانت النتائج مبهرة، بل صادمة للمتابعين.
على مدى سنوات، أظهرت بيانات التتبع أن النسر كان يهاجر سنويًا من سهوب آسيا إلى قلب إفريقيا، عابرًا الصحارى والجبال والسفوح القاحلة، دون أن يلامس الماء أبدًا. كلما اقترب من البحر، انحرف بشكل غريب وغير متوقع، ليلتف مئات الكيلومترات من أجل البقاء فوق اليابسة فقط.
السبب؟ حسب العلماء، فإن نسر السهوب يعتمد على التيارات الهوائية الصاعدة التي لا تتوفر إلا فوق اليابسة، لأنها تساعده على الطيران لمسافات شاسعة دون أن يرفّ جناحيه كثيرًا، ما يوفر له طاقته ويضمن له الاستمرار في رحلته القاسية.
اللافت في هذا السلوك أن النسر لم يكن يملك خارطة أو تكنولوجيا متقدمة، بل فقط فطرة دقيقة أودعها الله فيه، لتقوده دومًا إلى الطريق الآمن، مهما بدت الطرق الأخرى أقصر أو أسهل على الخريطة.
لكن النهاية كانت حزينة، إذ توفي هذا النسر بعد سنوات من الطيران، في أحد أودية المملكة العربية السعودية. غير أن وفاته لم تكن نهاية القصة، بل بداية لدهشة علمية وروحية، إذ خلّف وراؤه مسارًا مذهلًا يُدرّس اليوم في الجامعات ومراكز أبحاث الحياة البرية، ويُكتب عنه في الصحف والمجلات.
إنها قصة تتجاوز علم الطيور، لتُعلّم الإنسان درسًا بليغًا: كل مخلوق يسير على هدى خالقه، لا يضل ولا يشقى. فبينما تغيب البوصلة أحيانًا عن الإنسان رغم ما يملكه من عقل وخرائط وذكاء اصطناعي، فإن طائرًا صغيرًا يعرف غريزيًا متى يلتف، ومتى يواصل، وأين يجب أن لا يخطو جناحه.
في زمن تتزايد فيه الحيرة والضجيج، نحتاج أحيانًا أن ننصت إلى رسالة نسر، يقول لنا: سر على الفطرة، ففيها النجاة.

