إسبانيا تحت ضغط المعاشات والغلاء.. 25 ألف متظاهر في شوارع مدريد ومواجهة سياسية قبل انتخابات 29 نونبر

خرج آلاف الإسبان إلى شوارع العاصمة مدريد، السبت 24 أكتوبر 2026، في مسيرة احتجاجية للدفاع عن نظام المعاشات التقاعدية العمومي، وسط تصاعد المخاوف بشأن القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، وفي سياق سياسي يزداد سخونة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نونبر المقبل.

وتحوّلت شوارع العاصمة الإسبانية إلى فضاء للمطالبة بضمان الحقوق الاجتماعية، بعدما سار المتظاهرون بشكل سلمي لمسافة تقارب كيلومترين، انطلاقاً من محطة أتوتشا في اتجاه شارع ألكالا، مروراً بمتحف برادو الشهير وساحة سيبيليس، رافعين شعارات تدعو إلى حماية المعاشات والتصدي لأي توجه قد يهدد مستقبل النظام العمومي للتقاعد.

وبحسب تقديرات نقلتها وكالة فرانس برس عن السلطات المحلية في مدريد، بلغ عدد المشاركين نحو 25 ألف متظاهر، فيما قدّر المنظمون المشاركة بنحو 50 ألف شخص، في اختلاف يعكس حجم التعبئة التي رافقت هذه المسيرة.

ورفع المحتجون لافتات تحمل رسائل واضحة، من بينها «المعاشات التقاعدية حق مضمون» و«احموها»، في تعبير عن القلق المتزايد بشأن استدامة نظام التقاعد وقدرته على ضمان دخل يحفظ كرامة المتقاعدين في مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.

لم تكن المسيرة مجرد تجمع احتجاجي عابر، بل عكست تمسك فئات واسعة من المجتمع الإسباني بالحفاظ على نظام المعاشات العمومي، باعتباره أحد ركائز الحماية الاجتماعية التي يستند إليها ملايين المواطنين بعد سنوات طويلة من العمل.

وفي تصريح نقلته وكالة فرانس برس، عبّرت بيلار، البالغة من العمر 64 عاماً، عن رفضها المساس بالمعاشات التقاعدية، محذرة مما وصفته بالنزعة نحو خصخصة كل شيء.

كما ربطت المتظاهرة بين الدفاع عن المعاشات والاحتجاجات التي شهدتها إسبانيا خلال الأسابيع الأخيرة بشأن أزمة السكن، معتبرة أن تنامي التحركات الشبابية يعكس تزايد الوعي بصعوبة الأوضاع الاجتماعية.

ودعت بيلار إلى الدفاع عن الخدمات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية، في موقف يجسد اتساع دائرة المطالب من مجرد الحفاظ على المعاشات إلى حماية منظومة الخدمات الأساسية.

وتتجاوز هذه المطالب مسألة قيمة المعاش الشهري، لتطرح سؤالاً أوسع بشأن قدرة السياسات الاجتماعية على مواكبة ارتفاع النفقات اليومية، وضمان ألا تتحول سنوات العمل إلى مرحلة من القلق المالي بعد التقاعد.

تأتي هذه التعبئة في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن والمعيشة، وهي قضايا أصبحت حاضرة بقوة في النقاش العام الإسباني، خصوصاً مع الصعوبات التي تواجه الشباب والأسر في الحصول على سكن مناسب وتغطية النفقات الأساسية.

ويرى المحتجون أن الدفاع عن المعاشات لا يمكن فصله عن بقية الملفات الاجتماعية، لأن القدرة على العيش الكريم ترتبط أيضاً بجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وبمدى توفر الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر عرضة للضغوط الاقتصادية.

وفي هذا السياق، تتقاطع مطالب المتقاعدين مع انتظارات الشباب والأسر محدودة الدخل، بما يضع السياسات العمومية أمام تحدي الموازنة بين استدامة المالية العامة وحماية القدرة الشرائية.

لم يغب البعد السياسي عن الاحتجاجات، التي تأتي قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نونبر، حيث تحوّل مستقبل نظام التقاعد إلى أحد الملفات المطروحة في المواجهة بين الحكومة الاشتراكية والمعارضة اليمينية.

ويتهم رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وحكومته حزب الشعب، بقيادة ألبرتو نونيز فيخو، بالتشكيك في آلية ربط المعاشات بمعدل التضخم، وهي الآلية التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير 2022، بهدف ضمان مراجعة المعاشات بما يواكب تطور الأسعار.

وكان حزب الشعب قد صوّت ضد القانون الذي أقر هذه الآلية في نهاية عام 2021، منتقداً تكلفتها على خزينة الدولة، وهو موقف عاد إلى واجهة النقاش مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.

وفي المقابل، أكد فيخو أن حزبه سيعمل على تحديث المعاشات وفقاً للتضخم إذا فاز بالانتخابات، مع تأكيده ضمان استمرارية النظام العمومي للتقاعد، في وقت لا تزال فيه طبيعة الإصلاحات المستقبلية للنظام موضوعاً للجدل السياسي.

وبين اتهامات الحكومة ومواقف المعارضة، يظل السؤال الأساسي بالنسبة إلى المتقاعدين هو مدى وضوح الالتزامات السياسية بشأن حماية معاشاتهم، وضمان استمرار قدرتها الشرائية، وتفادي أي تغييرات قد تؤثر في حقوقهم الاجتماعية.

وفق بيانات وزارة الضمان الاجتماعي الإسبانية التي نقلتها وكالة فرانس برس، بلغ متوسط المعاش التقاعدي في إسبانيا 1576 يورو شهرياً خلال شتنبر 2026، لفائدة نحو 6.8 ملايين مستفيد.

غير أن المتوسط العام لا يعكس بالضرورة الوضع المالي لكل المتقاعدين، إذ تختلف قيمة المعاشات بحسب المسار المهني ومدة الاشتراك والحقوق المكتسبة، كما تختلف الأعباء المعيشية من أسرة إلى أخرى.

وتكتسب مسألة مراجعة المعاشات وفق التضخم أهمية خاصة في هذا السياق، لأن ارتفاع الأسعار قد يقلص القيمة الفعلية للدخل إذا لم تواكبه زيادات مناسبة.

ومن هنا، يطالب المدافعون عن النظام العمومي للتقاعد بضمانات واضحة تحول دون تراجع القدرة الشرائية، إلى جانب حماية الخدمات العامة التي يعتمد عليها المتقاعدون وسائر الفئات الاجتماعية.

تكشف مسيرة مدريد أن ملف المعاشات لم يعد مجرد قضية مالية أو تقنية مرتبطة بتوازنات صناديق التقاعد، بل أصبح قضية اجتماعية وسياسية تمس الثقة في قدرة المؤسسات على حماية الحقوق المكتسبة وضمان الاستقرار بعد سنوات العمل.

ومع اقتراب الانتخابات، سيظل التحدي أمام الأحزاب الإسبانية هو تقديم مواقف واضحة بشأن مستقبل نظام التقاعد، وكيفية تمويله، وضمان استدامته، من دون إغفال الأثر المباشر لأي إصلاح على حياة المواطنين.

وبين شعارات المتظاهرين وحسابات الحكومة والمعارضة، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من التزامات وقرارات عملية.

ففي مدريد، لم يكن السؤال الذي حمله المحتجون إلى الشارع متعلقاً بالمعاشات وحدها، بل بمستقبل الحماية الاجتماعية في بلد يواجه ضغوطاً متزايدة في السكن والمعيشة والخدمات العامة. ومع اقتراب موعد الاقتراع، باتت هذه الملفات جزءاً أساسياً من النقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أمام الناخب الإسباني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *