المغرب.. 350 مليار درهم و20 التزاماً انتخابياً: هل تتحول وعود المنصوري إلى واقع؟

الوطن24/ الرباط
بين الوعود الانتخابية والالتزامات الحكومية، يبرز في المغرب نقاش متزايد حول مدى قدرة الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، على تحويل التعهدات المعلنة خلال الانتخابات التشريعية إلى إجراءات ملموسة تنعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، وفرص الشغل، والحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات العمومية.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بعد تقديم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام البرلمان، في وقت سبق لحزب الأصالة والمعاصرة أن أعلن، ضمن برنامجه الانتخابي، عن 20 التزاماً قابلاً للتتبع والقياس، بكلفة إضافية تقديرية تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
وبين حجم الوعود المعلنة وما ينتظره المغاربة من نتائج، يطرح السؤال نفسه: إلى أي حد ستترجم هذه الالتزامات إلى سياسات عمومية واضحة التمويل والآجال، وما الذي سيظهر فعلياً في حياة المواطنين خلال السنوات المقبلة؟
350 مليار درهم.. وعود انتخابية تحت اختبار التنفيذ
وضع حزب الأصالة والمعاصرة القدرة الشرائية في صدارة برنامجه الانتخابي، إلى جانب إدماج الشباب، والمواطنة، والأمان، والنمو والاستدامة، موزعاً الغلاف المالي المعلن على أربعة مواثيق رئيسية.
وحسب البرنامج الرسمي للحزب، خُصصت 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار درهم لميثاق المواطنة، و50 مليار درهم لميثاق إدماج الشباب، و50 مليار درهم لميثاق الأمان، فيما يشكل ميثاق النمو والاستدامة الإطار الاقتصادي المفترض لتمكين هذه الالتزامات من التمويل والتنفيذ.
وتشمل التعهدات المعلنة ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين، من الأسعار والأجور والمعاشات إلى التشغيل والسكن والخدمات العمومية. كما أعلن الحزب استهداف إحداث مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الولاية.
غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تظل تقديرات مرتبطة بفرضيات التمويل والنمو الاقتصادي، ولا تعني أن المبالغ المعلنة أصبحت كلها اعتمادات مرصودة في الميزانية. وهو ما يجعل السؤال حول مصادر التمويل، وتوزيع النفقات على السنوات، وآليات التتبع والمحاسبة جزءاً أساسياً من تقييم البرنامج.
البرنامج الحكومي.. تقاطع في الأهداف وأسئلة حول التفاصيل
في المقابل، تضمن البرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، يوم 19 أكتوبر 2026، التزامات اجتماعية واقتصادية من بينها الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية وتحسين الخدمات العمومية.
ويعني هذا التقاطع أن الحديث عن اختفاء جميع الوعود الاجتماعية من البرنامج الحكومي لا يستند إلى المعطيات المتاحة. لكن وجود أهداف مشتركة لا يحسم، في المقابل، مدى التطابق بين البرنامج الانتخابي والبرنامج الحكومي، ولا يثبت أن جميع الالتزامات العشرين أُدرجت بالتفاصيل نفسها، أو أن لكل واحد منها تمويلاً محدداً وجدولاً زمنياً واضحاً.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقارنة دقيقة بين الوثيقتين، تحدد الالتزامات التي انتقلت إلى البرنامج الحكومي، وتلك التي أُعيدت صياغتها أو أُحيل تنفيذها إلى مراحل لاحقة، فضلاً عن التعهدات التي قد لا تجد لها مقابلاً واضحاً في الأولويات الحكومية المعلنة.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أن الحكومة تتعهد بتحسين قدرته الشرائية أو دعم التشغيل، بل يريد أن يعرف كيف ستتحقق هذه الأهداف، ومتى ستدخل الإجراءات حيز التنفيذ، وما الفئات التي ستستفيد منها، وكيف ستُقاس نتائجها.
قانون المالية 2027.. المحك المالي للوعود
تتجه الأنظار كذلك إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي صادق عليه مجلس الحكومة يوم 20 أكتوبر 2026، قبل إحالته على مجلس النواب، حيث أُحيل على لجنة المالية والتنمية الاقتصادية يوم 23 أكتوبر.
ويمثل المشروع محطة مهمة لاختبار مدى ترجمة الأولويات الحكومية إلى اختيارات مالية فعلية، من خلال الاعتمادات المخصصة للقطاعات الاجتماعية وبرامج التشغيل والدعم والاستثمار العمومي.
لكن تقييم مدى الوفاء بالوعود لا يمكن أن يقوم على مجرد وجود نفقات اجتماعية في الميزانية، بل يتطلب تحديد الصلة بين كل اعتماد مالي والتزام انتخابي محدد، مع التمييز بين البرامج الجديدة والإجراءات القائمة، وبين الاعتمادات المعلنة والنتائج المنتظر تحقيقها.
كما أن الكلفة الإجمالية البالغة 350 مليار درهم، التي أعلنها الحزب لبرنامجه الانتخابي، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مبلغاً مرصوداً بالكامل في مشروع قانون المالية لسنة واحدة، لأنها تقدير تراكمي على مدى خمس سنوات، يرتبط بمجموعة من التدابير والفرضيات الاقتصادية والمالية.
المغاربة ينتظرون النتائج لا الأرقام وحدها
في نهاية المطاف، ستظل القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية من أبرز المؤشرات التي سيقاس بها أداء الحكومة الجديدة. فالأرقام المعلنة تكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وتنعكس على دخل الأسر، وفرص العمل، وجودة المدرسة والمستشفى، ومدى استفادة المواطنين من برامج الدعم.
ومن هذا المنطلق، فإن مساءلة الحكومة بشأن التزاماتها لا تعني افتراض فشلها مسبقاً، كما أن تكرار الوعود في أكثر من وثيقة لا يكفي وحده لإثبات تحققها. المعيار هو وضوح الأهداف، وتحديد الموارد والآجال، ونشر حصيلة دورية تسمح للرأي العام بتقييم ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
350 مليار درهم و20 التزاماً.. أرقام تضع الوعود الانتخابية أمام اختبار التنفيذ والمحاسبة. وبين البرنامج الانتخابي والبرنامج الحكومي وقانون المالية، يبقى الرهان الأساسي هو قدرة الحكومة على تحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة، بما يعزز ثقة المغاربة في العمل المؤسساتي ويجعل المحاسبة مرتبطة بما تحقق فعلياً، لا بما أُعلن عنه فقط.
