الأقحوانة الجريحة (1) (إطلالة على تاريخ مدينة عبر ثقب الخيال والحلم) (الجزء2)

الوطن24/ قصة: الدكتور أحمد جوهري

 تَخيَّلْ أقحوانةً جميلةً بأهدابِ وريْقاتها البيضاء الناعمة وزهرتِها المستديرة التي يشِعُّ من وسطها قرصٌ أصفر ذهبي متوهِّج، ويفوح منها أريجٌ زكي شبيه بعَبَق الكافور والتفاح، ثم فجأة تتشققُ ساقُها العارية وتسيل منها دماء حارة تهددها بالنزيف والذبول.. فجأة تتحول زهرة الذهب والأفراح والأعراس التي تكلِّل رؤوس الفائزين والسعداء إلى زهرة الأحزان والمآتم التي توضع فوق القبور. هل تستطيع أن تتخيل مثل هذه الحكاية؟

 تلك هي حكاية الأقحوانة الجريحة لسهل الغرب التيتبدأ أحداثها بالمكاحل والمناجل.

    ” حْطُّوا المْكاحْل.. هْزُّوا المْناجْل.. جا وقت الحصاد”

   الجهاز الساحر الجديد الذي نصفه من خشب ونصفه الثاني بلاستيك ومعدن وقماش والذي يسميه المغاربة “صندوق العجب” يصدح في البيوت طيلة اليوم بذلك النشيد الوطني الحماسي الذي يهز القلوب:

إيهِ أُمَّةَ المغربِ .. إيهِ دولةَ المغربِ

إنْ نعِشْ عشنا كراما أو نَمتْ متنا كِراما…

العام 1956، رقم يلمع ذهبا وفرحا وحرية في ذاكرة المغاربة. إنه عام الاستقلال السياسي وجلاء الإدارة الاستعمارية الفرنسية عن المملكة. المستوطنون والجنود الأجانب غادروا، حملوا عتادهم وأمتعتهم وكل شيء ثمين. وها هي شهور الحرية الأولى ترمي ظلالها الأرجوانية بهجةً على جدران مدينة سوكيل وفرحا على وجوه العباد. أبواب البيوت كالقلوب مفتوحة تتراقص بمداخل عتباتها جزيئات الأنوار البنفسجية، وبائع حلوى جابان يجوب الشوارع بعوده الخشبي الأبيض المعطَّر، ويقشر منه للصبيان قطعا مسكرة لذيذة تتخللها بذور السمسم ويفوح منها عبق الينسون. وفوق الأرصفة يتحلق أطفال آخرون في مجموعات صغيرة  يتلذذون بمصاصات البيروري الملونة ويحلمون بمقعد في مدارس الاستقلال الجديدة. وفي السوق والأزقة العميقة يردد الناس زجل تلك الأغنية الشعبية الحماسية التي تعلن انتهاء عهد الجهاد الأصغر وبداية عصر الجهاد الأكبر.. عصر التنمية والمشاريع ومناجل الحصاد:

حْطُّوا المْكاحْل ** ما بقات مْذْلَّة

هْزُّوا المْناجْل ** جا وقت الغْلَّة

حُطُّوا المكاحل ** ترتاح العْباد

هْزُّوا المناجْل ** جا وقت الحْصاد

وفعلا جاء وقت الحصاد، وصدقتْ كلمات الأغنية الشعبية، ووضع المغاربة بنادقهم الموجَّهة نحو المستعمر. لكن التاريخ لم يكن أبدا رجلا عقيما، بل امرأة تحبل وتلد، وغالبا ما تلِدُ بنات طائشات اسمهن المفاجآت !

والمفاجأة الطائشة التي ولدتها في سوكيل هي أن الرجال لمّا حملوا المناجل نسوا أن يستعملوها في الحقول لحصاد سنابل القمح ضمن مشروع المليون هكتار، واستعملوها بدلا من ذلك في حصد أعناق بعضهم البعض وإراقة دمائهم.

 وفقد الفجر حلته الوردية. أحالت الدماء الفائرة المسفوحة صبغته إلى لون قرمزي داكن.. هناك في الحفل الوطني !