البحث الجديد حول القوةً العاملة: معطيات غنية وأسئلة جديدة

الوطن24/ عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
يشكل الانتقال، ابتداء من سنة 2026، من البحث الوطني حول التشغيل إلى البحث حول القوة العاملة الذي أطلقته المندوبية السامية للتخطيط، تطوراً مهماً في منظومة رصد سوق الشغل بالمغرب. فالأمر لا يتعلق بمجرد تعديلات تقنية، بل بمراجعة للمفاهيم المعتمدة في تعريف التشغيل والبطالة ونقص استخدام اليد العاملة، وإدخال فئات جديدة وتوسيع نطاق المعطيات التي يوفرها البحث.
وتندرج هذه الإصلاحات في إطار تطور المعايير الدولية لإحصاءات الشغل، ولا سيما تلك المعتمدة في المؤتمرات الدولية لخبراء إحصاءات العمل. ومن ثم، فمن المشروع اعتبارها خطوة نحو تحديث أدوات رصد سوق الشغل، وجعلها أكثر قدرة على التقاط أوضاع لم تكن تظهر بوضوح في المنظومة السابقة.
كما أن هناك تطورات أخرى تستحق التنويه. فقد تم تعزيز منظومة البحث، وتحيين قاعدة المعاينة بالاستناد إلى الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، وإعادة النظر في نظام تدوير الأسر بما يسمح بمتابعة أفضل لدينامية سوق الشغل. ويكتسي نشر معطيات جهوية أكثر تفصيلاً أهمية خاصة، لأنه يسمح بتجاوز المعدلات الوطنية وإبراز الفوارق المجالية في التشغيل والبطالة والمشاركة في سوق الشغل.
لكن ثراء المعلومة الإحصائية يطرح، في المقابل، سؤالاً حول مدى سهولة فهمها واستعمالها.
من البساطة إلى التعقيد
أدخل النظام الجديد مفاهيم أكثر دقة، لكنها أيضاً أكثر تعقيداً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مفهوم «القوة العاملة المحتملة» ، الذي يضم أشخاصاً لا يندرجون ضمن المشتغلين أو العاطلين، لكنهم يوجدون على مسافة قريبة من سوق الشغل: فهناك من يبحث عن عمل دون أن يكون متاحاً له في الوقت الراهن، وهناك من هو متاح للعمل دون أن يكون قد قام ببحث فعلي عنه.
من الناحية الإحصائية، تبدو هذه المقاربة مفهومة؛ فهي تسمح بإظهار فئة كانت تبقى خارج معدل البطالة التقليدي. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل هذه الفئة متجانسة بما يكفي لتكون مفيدة بصورة مباشرة لصانع السياسة العمومية؟
فهل الشخص الذي يبحث عن عمل ولا يستطيع الالتحاق به فوراً يوجد في الوضعية نفسها التي يوجد فيها شخص متاح للعمل لكنه لا يبحث عنه بنشاط؟ وهل تستدعي الوضعيتان السياسة العمومية نفسها؟
هنا تكمن إحدى القضايا الأساسية التي تطرحها المنهجية الجديدة: كيف ننتقل من الفئة الإحصائية إلى فئة قابلة للاستهداف بسياسة عمومية محددة؟
قطيعة منهجية… ومجهود مهم لاستعادة الاستمرارية
تعترف المندوبية السامية للتخطيط بأن الانتقال إلى المنهجية الجديدة أحدث قطيعة مفاهيمية تجعل المقارنة المباشرة بين نتائج البحث القديم والبحث الجديد غير مناسبة.
لكن من المهم، في المقابل، تسجيل أن المندوبية أخذت هذه الإشكالية بعين الاعتبار. فقد أطلقت عملية لإعادة احتساب السلاسل الفصلية لأهم مؤشرات سوق الشغل خلال الفترة 2017-2025 وفق الإطار المنهجي والمفاهيمي الجديد.
وهذا مجهود يستحق التنويه. فهو يتيح اليوم قراءة تطور سوق الشغل على مدى يقارب عقداً كاملاً وفق مرجع مفاهيمي موحد.
غير أن المندوبية توضح أن هذه السلاسل لا تزال مؤقتة، وأنها ستخضع لتحسينات تدريجية مع تراكم معطيات البحث الجديد، على أن يتم استكمالها في بداية سنة 2027. نحن، إذن، أمام مرحلة من تثبيت وتعزيز المنهجية الجديدة، وهو ما يفرض قدراً من الحذر في قراءة النتائج الأولى، دون أن يقلل ذلك من أهمية العمل المنجز.
ماذا تقول لنا السلاسل الجديدة؟
تقدم السلاسل المعاد احتسابها صورة أكثر عمقاً عن تطور سوق الشغل المغربي.
فبعد تحسن نسبي خلال 2018 و2019، سجل سوق الشغل تدهوراً قوياً خلال سنة 2020، ثم ارتفع مستوى البطالة مجدداً ابتداء من 2021، ليظل مرتفعاً خلال السنوات اللاحقة. وبلغ عدد العاطلين 1.647 مليون شخص في الفصل الرابع من 2025.
لكن الأرقام المتعلقة بالنشاط والتشغيل تستحق اهتماماً أكبر. فمعدل النشاط تراجع، وفق السلسلة الجديدة، من مستويات كانت تقترب من 46 في المائة في بداية الفترة إلى حوالي 42-44 في المائة خلال 2023-2025. كما تراجع معدل التشغيل، الذي كان يتجاوز في فترات عديدة 41 في المائة قبل الأزمة الصحية، إلى حدود 37-38 في المائة خلال 2024-2025.
وهذا يعني أن مشكلة سوق الشغل المغربي لا تختزل في ارتفاع البطالة. إنها ترتبط أيضاً بضعف المشاركة في سوق الشغل وبضعف القدرة على توفير فرص العمل.
ومن هنا، فإن تقييم سياسات التشغيل لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: كم انخفض معدل البطالة؟ بل يجب أن يشمل أيضاً: كم من الأشخاص يدخلون سوق الشغل؟ وكم من فرص العمل يتم خلقها؟ وما طبيعة هذه الفرص؟
البطالة أم البطالة الصارمة؟
تسمح المنهجية الجديدة كذلك بالتمييز بين معدل البطالة ومعدل البطالة الصارمة(البطالة بالمفهوم الضيق).
وتكشف السلاسل الجديدة عن فارق بين المؤشرين، بلغ في الفصل الثالث من سنة 2025*2.8 نقطة مئوية*: 13.1 في المائة بالنسبة للبطالة مقابل 10.3 في المائة للبطالة الصارمة.
ولا يعني هذا وجود تناقض بين المؤشرين؛ فكل واحد منهما يقيس واقعاً مختلفاً. كما أن أهمية المؤشرات الجديدة تكمن تحديداً في إظهار أوضاع لا تظهر إذا اقتصرنا على معدل البطالة الصارمة.
لكن هنا تبرز مرة أخرى مسألة قابلية القراءة والفهم. ففي الفصل الثاني من 2026، بلغ معدل البطالة الصارمة 9.5 في المائة، في حين سجلت المؤشرات لنقص استخدام اليد العاملة مستويات أعلى بكثير.
أي مؤشر ينبغي أن يحتل الصدارة في تقييم وضع سوق الشغل؟ وأيها ينبغي أن يستند إليها المسؤول العمومي عند إعداد سياسة معينة؟
هذه ليست ملاحظة ضد تعدد المؤشرات. بالعكس، إن معرفة الواقع في تعدد أبعاده مكسب لا يمكن إلا الترحيب به. لكن كلما ازداد ثراءً المعلومة، ازدادت الحاجة إلى تبسيطها وشرحها.
وأين توجد جودة التشغيل؟
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية ماذا نقيس عندما نقيس التشغيل؟
تفتح المنظومة الجديدة المجال لمزيد من المعلومات حول التشغيل غير المنظم، وأشكال التشغيل، وظروف العمل، وتصنيفات أوضاع الشغل. لكن عدد مناصب الشغل المحدثة لا يكفي وحده للحكم على نجاح سياسة للتشغيل.
كم من هذه المناصب مستقر؟ وكم منها مؤقت أو موسمي أو عرضي؟ ما حجم التشغيل غير المنظم؟ وما نسبة العاملين المستفيدين من الحماية الاجتماعية؟
فمن الواضح أن منصب شغل مستقراً ومنتجاً ومحميّاً اجتماعياً لا يمثل الواقع الاقتصادي نفسه الذي يمثله عمل موسمي أو عرضي أو يفتقر إلى الحماية.
لذلك ينبغي أن يضاف سؤال ما نوع مناصب الشغل التي نخلقها؟» إلى سؤال «كم من منصب شغل نخلق؟».
من الإحصاء إلى القرار العمومي
من السابق لأوانه إصدار حكم نهائي على البحث الجديد حول القوة العاملة. فقد أدخل تطورات مهمة: انسجاماً أكبر مع المعايير الدولية، وتوسيعاً لرصد مختلف أشكال نقص استخدام اليد العاملة، وتحسيناً للقدرة على التحليل المجالي، وإمكانية أكبر لفهم بنية التشغيل وأشكاله.
كما أن إعادة احتساب السلاسل للفترة 2017-2025 تمثل خطوة مهمة لاستعادة الاستمرارية التحليلية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها لا تزال مؤقتة وقابلة للتحسين.
لكن تحديث منظومة إحصائية لا يقاس فقط بمدى مطابقتها للمعايير الدولية، ولا بعدد المفاهيم والمؤشرات التي تنتجها. إنه يقاس أيضاً بقدرة المستعملين على فهمها، وبقدرتها على مساعدة صانع القرار على تشخيص المشكلة واختيار السياسة المناسبة لها.
وتبقى هنا عدة أسئلة مفتوحة: هل المفاهيم الجديدة بسيطة بما يكفي لتكون عملية؟ هل تسمح الفئات الجديدة بالتمييز بين أوضاع تستوجب سياسات مختلفة؟ هل ستساعد المعطيات الجهوية الأكثر تفصيلاً فعلاً على تحسين استهداف السياسات؟ وهل ستسمح لنا المنظومة الجديدة ليس فقط بمعرفة عدد مناصب الشغل التي نخلقها، وإنما أيضاً بمعرفة أي نوع من مناصب الشغل نخلق؟
إن السلاسل الجديدة تقول لنا بالفعل إن مشكلة سوق الشغل المغربي أعمق من مجرد قياس البطالة. فاستمرار البطالة في مستويات مرتفعة، وتراجع معدل النشاط، وضعف معدل التشغيل، كلها مؤشرات تحيل إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية لا يمكن أن تعالجها الإحصاءات، مهما بلغت درجة تطورها.
فالإحصاء يستطيع أن يقيس الواقع بصورة أفضل، وأن يفككه ويكشف أبعاده المختلفة، لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يخلق مناصب الشغل أو أن يخفض البطالة.
وهنا يبقى التحدي الحقيقي: أن نستخدم هذه المعرفة الإحصائية الأكثر غنى ليس فقط لفهم سوق الشغل بشكل أفضل، وإنما لبلورة سياسات أكثر قدرة على خلق فرص عمل مستقرة ومنتجة وذات جودة وحماية اجتماعية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تقتصر وظيفة إحصاءات سوق الشغل على عدّ المشتغلين والعاطلين. بل ينبغي أن تساعدنا على فهم أين تكمن الصعوبات، ومن هم المعنيون بها، وبأي أشكال تظهر، وما هي السياسات القادرة على مواجهتها.
فقياس سوق الشغل بصورة أفضل أمر ضروري، لكن الرهان الحقيقي هو فهمه بصورة أفضل من أجل العمل بصورة أفضل.
