نَفَقَ الغُراب

الوطن24/ بقلم: ذ. السعيد شخمان
كان يا ما كان، في مدينةٍ لم تكن صغيرةً في أحلام أهلها، لكنها صارت صغيرةً تحت وطأة الخوف، غرابٌ أسودُ الريش، ثقيلُ الظل، حادُّ المنقار، لا ينعق إلا حيث تكون غنيمة، ولا يطير إلا إلى حيث تكون مصلحة.
لم يكن غرابًا كسائر الغربان.
كان يعرف كيف يدخل من الشقوق، وكيف يتسلل إلى النوافذ، وكيف يحوّل الخوف إلى طاعة، والحاجة إلى تبعية، والصمت إلى بيعة.
وكان له مالٌ وسلطة، وألسنةٌ كثيرة تتحدث باسمه، وأيدٍ تمتد حيث يريد، وعيونٌ تراقب حيث يشاء.
إذا أشار، تحركت الجوقة.
وإذا غضب، ارتجفت الأبواب.
وإذا رضي، فتحت خزائن المنافع.
وكان حوله غربان لا يعيشون إلا في ظله؛ فإذا أقبل أقبلوا، وإذا جلس جلسوا، وإذا ضحك ضحكوا، وإذا غضب غضبوا.
لم يكونوا يسألون: أهذا حق أم باطل؟
كان سؤالهم الوحيد:
ماذا أعطى الغراب؟
وكان الغراب يعرفهم جيدًا.
يعرف أن بعضهم لا دين له إلا المصلحة، ولا قبلة له إلا المنفعة، ولا ميزان عنده إلا مقدار ما يدخل جيبه.
فأطعمهم من فتات موائده، وأسند إلى بعضهم مفاتيح، وإلى بعضهم أبوابًا، وإلى آخرين أسرارًا.
وبذلك صنع حوله سورًا من البشر.
وكان إذا رأى رجلًا مستقيمًا لا يشتريه المال، ولا تخيفه التهديدات، ولا تغريه المناصب، ضاق به ذرعًا.
يقول:
— هذا خطر!
وكانت الجوقة تعرف ماذا يعني أن يكون الرجل «خطرًا».
فتبدأ الحكاية من الهمس.
ثم تأتي الإشاعة.
ثم النميمة.
ثم الكذبة.
ثم تُنسج حول الرجل حكاية لا أصل لها، حتى يصبح بريئًا في الحقيقة، متهمًا في ألسنة الناس.
وكان الغراب بارعًا في صناعة الدخان؛ فإذا احترق شيء، جعل الناس ينظرون إلى الدخان وينسون النار.
ومرت السنوات.
كبر الغراب، وكبرت معه أطماعه.
دخل في كل شيء، وأراد أن يكون فوق كل شيء.
كان يتدخل في القرارات، ويؤثر في الاختيارات، ويصنع الموالين، ويقصي المخالفين.
حتى ظن أن المدينة أصبحت ملكًا له.
وصار بعض الناس إذا أرادوا قضاء حاجة لا يذهبون إلى الباب الصحيح، بل يبحثون عن باب الغراب.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تغيرت المدينة.
لم تعد الكفاءة معيارًا.
ولا الاستقامة ميزانًا.
ولا القانون طريقًا.
صار القرب من الغراب أقصر الطرق.
وصار الابتعاد عنه تهمة.
وكان أسوأ ما فعله الغراب أنه لم يفسد وحده؛ بل علّم غيره كيف يفسد.
فقد ترك وراءه مدرسةً كاملة في النفاق والانتهازية والخوف.
ثم جاء يوم لم يكن في الحسبان.
استيقظت المدينة ذات صباح، فلم تسمع النعيق.
انتظر الناس الغراب أن يظهر من شرفته.
لم يظهر.
قالوا :
— لعلّه مريض.
ثم قال آخرون :
— ربما سافر.
وهمس بعضهم :
_ قد يكون هاجر مع الغربان المهاجرة .
ثم طال الانتظار.
وعندما تأكد الخبر، لم يصدق كثيرون.
نفق الغراب.
هكذا، ببساطة.
انتهت الحكاية التي ظن صاحبها أنها لن تنتهي.
لم تُفتح السماء.
ولم تسقط الجدران.
ولم تصرخ الأشجار.
فقط غاب الغراب.
لكن المدينة اكتشفت يومها أن الغراب لم يكن وحده.
كان له ظل طويل.
وفي ذلك الصباح خرجت الظلال من جحورها.
خرجت الجوقة متفرقةً، لا تعرف إلى أين تتجه.
بعضهم أخذ يبدل خطابه.
وبعضهم أنكر أنه عرف الغراب يومًا.
وبعضهم صار يتحدث عن النزاهة وكأنه لم يكن بالأمس يسبح بحمده.
أما آخرون فظلوا يبحثون عن غراب جديد.
كانوا قد تعودوا العيش في الظل.
والذي اعتاد الظل يخاف الشمس.
أما المدينة، فكانت في حاجة إلى أكثر من موت الغراب.
كانت في حاجة إلى أن تستعيد ذاكرتها.
تذكرت كم من حق ضاع.
وكم من كفاءة أُقصيت.
وكم من مظلوم صمت.
وكم من منافق ارتفع.
وكم من فرصة أُهدرت.
وكم من طفل كبر وهو يرى أن النجاح لا يحتاج إلى علم ولا عمل، بل إلى باب خلفي ويدٍ تمتد إلى يد الغراب.
وحينها فهم أهل المدينة الحقيقة التي تأخروا كثيرًا في فهمها:
لم تكن المشكلة في الغراب وحده، بل في المدينة التي سمحت له أن يبني عشه فوق رؤوسها.
مرت الأيام.
بدأت الأبواب تفتح من جديد.
وبدأ الناس يتحدثون بصوت أعلى.
وصار بعض الذين كانوا يخافون أن يقولوا «لا» يتعلمون كيف يقولونها.
وسقطت صور كثيرة من الجدران.
لكن بعض الأعشاش بقيت.
وبقيت بعض الغربان الصغيرة تنعق في الأزقة، تقلد نبرة الغراب الكبير، وتظن أن النعيق سلطة.
فضحك شيخٌ كان يراقب المشهد وقال:
— نفق الغراب، لكن لا تفرحوا كثيرًا؛ فالغراب لا يموت تمامًا إذا بقيت أعشاشه.
ثم أضاف:
— إن أردتم للمدينة أن تتعافى، فلا تبحثوا عن غرابٍ جديد، ولا تجعلوا من أتباعه أوصياء على ما بعده. اقتلعوا العش من جذره، وأعيدوا للقانون مكانه، وللأخلاق مقامها، وللكفاءة حقها، وللإنسان كرامته.
سكت قليلًا، ثم نظر إلى السماء.
كانت الغربان تحوم بعيدًا.
وقال:
— الموت أنهى الغراب، لكنه لا ينهي الغرابية.
ومنذ ذلك اليوم صار أهل المدينة يرددون:
«نَفَقَ الغراب، وبقي الامتحان:
هل مات الغراب وحده، أم مات معه زمنه؟»
وكانت المدينة تعرف أن الجواب لن يكون في المقابر.
بل في ما ستفعله بعد الغراب.
