المغرب: على الأحزاب السياسية ضبط النفس واحترام صلاحيات الملك الدستورية

بسبب التنافس بين الأحزاب السياسية في المغرب، نلاحظ وجود بعض التصرفات والتصريحات المنافية للقانون، والتي تمس بمقاصد العملية الديمقراطية والغاية من عملية الاقتراع. ذلك أن التدافع والتشنج غير المحسوب بين الأحزاب في مرحلة ما قبل الانتخابات قد ينعكس سلباً على بعض الأحزاب، سواء من خلال فضائح أو تجاوزات للقانون أو التطاول على صلاحيات ملك البلاد.

وتعرف الساحة السياسية المغربية استعدادات مكثفة لما قبل الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر 2026، والتي تمثل محطة يتصرف فيها المواطن بحرية وتحترم فيها اختياراته وقراراته السياسية.

وغير بعيد عن موضوع التنافس بين الأحزاب، يلاحظ أن التعايش الذي ميز الحكومة الحالية تحول إلى صراع بين مكوناتها كأغلبية، وتحول ذلك إلى سباق هستيري وتأويل هندسي للمشهد السياسي لما بعد انتخابات 23 شتنبر 2026.

والشيء الذي يجب تجنبه، نظراً لكون النتائج لا يمكن التنبؤ بها من جهة، ثم إن الفصل 47 من الدستور لا يسمح للأحزاب بأن تفسره وفق مقاصدها، لأن الأمر يدخل ضمن الاختصاصات الدستورية لجلالة الملك من جهة أخرى.

كما أن مقتضيات الفصل 47 تسري على وضعية الأحزاب ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، ناهيك عن كون الحكومة تشتغل في إطار الاختصاصات الدستورية التي حددها الدستور، وأن السلطة التنفيذية في المغرب تقوم على توزيع للاختصاصات بين الحكومة والمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، إلى جانب الصلاحيات الدستورية للملك في ما يتعلق بتعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة وفق المقتضيات الدستورية.

وبالنظر إلى بعض الخرجات والتصريحات والإشارات والتلميحات الصادرة عن بعض السياسيين، سواء بسبب الضغوط أو بسبب التهور والتشويش وعدم ضبط النفس الناتج عن أفعال أو تصرفات لها علاقة بالترحال السياسي، أو استقطاب كفاءات سياسية جديدة من قبل بعض الأحزاب وربط ذلك بحسابات سياسية، فإن المشهد السياسي المغربي قد يكون أمام مزيد من التجاذبات خلال المرحلة المقبلة.

وقد تتضاعف التسريبات الصوتية لشخصيات سياسية فاضحة بشكل يمس بقواعد التنافس الانتخابي، ويضرب في صميم احترام المؤسسات الدستورية، خصوصاً إذا تحولت هذه التسريبات إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو التأثير على المشهد السياسي قبل أن يقول الناخب المغربي كلمته.

فجلالة الملك يعلم جيداً، في إطار صلاحياته الدستورية، من تتوفر فيه الشروط اللازمة لتولي المسؤوليات الحكومية، كما أن تشكيل الحكومة يمر عبر مسار دستوري واضح، ولا يمكن اختزاله في تفاهمات أو ترتيبات حزبية مسبقة.

ومن جهة أخرى، فإن تصفية الحسابات قبل تشكيل الحكومة المقبلة وقبل معرفة نتائج الانتخابات هو تسرع له عواقب يرفضها النسق السياسي الوطني، الذي لا يمكن أن يقبل بالنتائج المظلية أو بالتدخل في صلاحيات الملك الدستورية.

ومن ذلك مثلاً حسم تعيين وزيرة للمالية قبل الانتخابات؛ فكيف يمكن تمكين مواطنة من حقيبة وزارية دون ضمان موافقة الملك عليها، ودون معرفة نتائج الانتخابات وموازين القوى التي ستفرزها صناديق الاقتراع؟

فمن الناحية الدستورية، ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وبالتالي، فإن الحكومة تمر عبر مراحل، ولا يمكن حسم توزيع الحقائب الوزارية قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، وقبل أن تتضح التوجهات السياسية والتحالفات الممكنة.

فالأحزاب لا يمكنها تحديد مواقعها إلا بناءً على نتائج الانتخابات، وهو ما يفرض عليها في هذه المرحلة إتمام البحث عن المرشحين، وإعادة تنظيم صفوفها، ومحاربة الكائنات الانتخابية المفسدة لإرادة الناخبين، وتقييم نقاط القوة والضعف، دون إغفال دور المواطن الذي سيكون الحكم بينها يوم الاقتراع.

كما أن قيام بعض الأحزاب بجس نبض إمكانية التحالف للحكومة المقبلة على أساس سيناريوهات انتخابية مفترضة يبقى أمراً نسبياً، ولا يقبل بتحويل المنتخب إلى سلاح لخوض المعركة الانتخابية، وتحويل السياسة من منافسة بين البرامج إلى صراع بين الأشخاص.

فالزعامة السياسية أو الحزبية، باعتبارها حنكة ومهارة تعكسان الممارسة القانونية والسياسية الممكنة، تتنافى مع استعمال وسائل غير مشروعة للتنافس أو للتأثير على حرية الاختيار السياسي.

ذلك أن ما يؤشر على وعي الناخب المغربي هو كونه لا يحتاج فقط إلى معرفة من انتقل من حزب إلى آخر، بل يحتاج إلى معرفة ماذا ستقدم له الأحزاب في إطار تنافسي.

وهذا يتطلب تقديم برامج حقيقية على مستوى الواقع المعيش، مثل البرنامج الاقتصادي، والحلول المقترحة للتشغيل، وكيفية إصلاح الصحة والتعليم، وكيفية معالجة الفوارق الاجتماعية والاختلالات المجالية، ورسم مسؤولية رجل السياسة وما يلزمها من روح وطنية صادقة.

فالحزب الذي يقدر على التواصل مع المواطنين يجب أن يتحلى بالقدرة على الإقناع بدل الاكتفاء بالدهاء السياسي، مادامت أسئلة الأزمة واقعاً تعيشه شريحة اجتماعية مهمة، وأن تكرار نفس الخطاب لن يعطي نفس النتائج.

فالناخب، باسم القانون الذي يعتبر أسمى تعبير عن إرادة الأمة، هو الصانع الأول للبرلمان بطريقة مباشرة، وصانع الحكومة بطريقة غير مباشرة. فمهما استقطب الحزب أسماء ومشاهير، لا يمكنه، بدون رأي المواطنين، التكهن بمن ستكون النتائج لصالحه.

أما المشاورات السياسية والمؤسساتية التي تهم الناخبين، فتحسم عبر صناديق الاقتراع ويؤطرها القانون، وعلى أساسها يمارس الملك صلاحياته الدستورية في بناء الحكومة.

وعلاقة بمن سيقود المرحلة المقبلة، يبقى الأمر معلقاً، وتتحكم فيه مجموعة من الضوابط العامة والخاصة، ومنها توجهات الممارسة السياسية للمواطنين، وإرادة الأحزاب الملتزمة، والقدرة على تحويل الحضور الانتخابي إلى نجاح برلماني، ومنه إلى نفوذ حكومي.

ذلك أن الاكتفاء بالاستقطابات الحالية، التي ليست مجرد عمليات انتقال حزبي بين الأحزاب، لا يجدي نفعاً سياسياً، ولا يمكن اعتبارها معركة مبكرة، دون انتظار رأي الناخب في المرشحين.

فالديمقراطية ليست فن الكذب، ولا هي فن المراوغة، وإنما هي فن الإقناع وفن إدارة اهتمامات المواطنين.

وعدم فهم الأحزاب السياسية المغربية لما هو مطلوب منها اليوم سوف يعمق الأزمة أكثر، وعليه يجب تحديد اهتمامات المواطنين واحتياجاتهم المعلقة إن أرادت الأحزاب نيل ثقتهم.

فالمغرب، وهو مقبل على محطة انتخابية مهمة، يحتاج إلى تنافس سياسي مسؤول، وإلى أحزاب تقدم برامج وحلولاً بدل الاكتفاء بالصراعات والاستقطابات، وإلى احترام واضح للدستور ولإرادة الناخبين وللاختصاصات الدستورية للمؤسسات.

وفي نهاية المطاف، تبقى صناديق الاقتراع هي الحكم، والدستور هو الإطار، والمواطن المغربي هو صاحب الكلمة الفصل في اختيار ممثليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *