المغـرب: قراءة في المشهد الانتخابي بدائرة الغرب.. عندما يصبح الناخب أمام امتحان الحصيلة والولاء والنفوذ

كلما اقترب موعد الاستحقاق التشريعي، لا تعود دائرة الغرب مجرد مجال جغرافي يوزع على ساكنته ثلاثة مقاعد بمجلس النواب، وإنما تتحول إلى مرآة عاكسة لطبيعة السياسة المحلية في المغرب، ولمستوى الوعي الانتخابي، ولقدرة الناخب على التمييز بين الحزب والمرشح، وبين الحصيلة والوعود، وبين الشعبية الحقيقية والنفوذ الانتخابي.

والانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 تأتي في ظرفية مختلفة عن سابقاتها؛ فالمواطن لم يعد يسأل فقط: «من أعرف؟»، وإنما يفترض أن يسأل أيضاً: ماذا فعل؟ ماذا قدم؟ ماذا دافع عنه؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟

وهنا تبرز دائرة الغرب باعتبارها واحدة من الدوائر التي تستحق قراءة خاصة؛ فهي دائرة ذات طبيعة مجالية واجتماعية مركبة، تجمع بين مراكز حضرية وشبه حضرية ومجال قروي واسع، وتتشابك فيها الاعتبارات الاجتماعية والعائلية والمجالية والحزبية والاقتصادية.

والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سيفوز؟
بل: على أي أساس سيصوت الناخب؟

هل سيصوت على أساس الحصيلة الحكومية؟

أم على أساس الولاء الشخصي للمرشح؟

أم على أساس الانتماء الحزبي؟

أم على أساس النفوذ والعلاقات والامتدادات الاجتماعية؟

أم أن هناك تحولاً في السلوك الانتخابي يجعل المواطن أكثر استعداداً لمحاسبة من سبق له تحمل المسؤولية؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل من انتخابات الغرب أكثر من مجرد سباق انتخابي؛ إنها اختبار حقيقي للعلاقة بين المواطن والسياسة في المغرب.


تاريخياً، عرفت دائرة الغرب تنافساً قوياً، وكانت نتائجها مرتبطة بتركيبة اجتماعية ومجالية تجعل للمرشح الشخصي وزنه، إلى جانب قوة الحزب.

وفي انتخابات 2021، كانت المنافسة قد انتهت إلى فوز التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والأصالة والمعاصرة بالمقاعد الثلاثة، وهو ما يؤكد أن الدائرة لا تُحسم بالضرورة على أساس الاستقطاب الحزبي الوطني وحده، بل عبر تفاعل معقد بين الحزب والمرشح والشبكة الانتخابية المحلية.

أما انتخابات 2026، فتبدو أكثر حساسية، لأن الرهان لم يعد فقط على استعادة المقاعد أو الحفاظ عليها، وإنما على إعادة تشكيل الخريطة السياسية للغرب.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.


من أهم معطيات المشهد أن المنافسة تعرف حضور مرشحين من مكونات الأغلبية الحكومية، في وقت يقود فيه أحد هذه الأحزاب الحكومة.

وهذا يضع الناخب أمام معادلة سياسية واضحة:

إذا كانت الحكومة قد نجحت، فالأغلبية تستحق التجديد. وإذا كانت قد أخفقت، فمن الطبيعي أن تتحمل أحزابها ومرشحوها كلفة الإخفاق السياسي.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة.

فالمرشح المحلي قد يقول:

«أنا لست الحكومة وحدها، بل أنا ابن المنطقة، وأنا الذي أعرف مشاكلها وأدافع عنها.»

وهنا يجب أن يطرح الناخب سؤالاً أكثر دقة:

هل يمكن فصل المرشح البرلماني عن حزبه عندما يكون حزبه جزءاً من الأغلبية الحكومية؟

من الناحية السياسية، يصعب ذلك.

فالبرلماني ليس مجرد شخص يمثل أصدقاءه وأنصاره؛ إنه يحمل صفة تمثيلية باسم حزب وبرنامج وتوجه سياسي.

ومن ثم فإن التصويت عليه يمكن أن يكون، جزئياً، تصويتاً على التجربة الحكومية التي ينتمي إليها.

لكن في المقابل، لا ينبغي اختزال المرشح في الحصيلة الوطنية لحزبه.

فالناخب يستطيع أن يسأل:

  • ماذا فعل هذا البرلماني تحديداً؟
  • كم مرة دافع عن قضايا دائرته؟
  • ما الملفات التي حملها إلى البرلمان؟
  • ماذا تحقق من وعوده؟
  • ما الذي تغير في الجماعات والمناطق التي يمثلها؟
  • هل كان حاضراً عندما احتاجته الساكنة؟
  • هل كان صوته مستقلاً وفاعلاً أم مجرد صوت داخل الأغلبية؟

وهنا تنتقل الانتخابات من التصويت للأسماء إلى التصويت على الأداء.


هذه ربما تكون أهم معادلة في انتخابات الغرب.

هناك ناخب يصوت للحزب.

وهناك ناخب يصوت للمرشح.

وهناك ناخب يصوت للعائلة.

وهناك ناخب يصوت للمنطقة.

وهناك ناخب يصوت بناء على مصلحة مباشرة.

وهناك ناخب يقرر موقفه من الحصيلة الحكومية.

والواقع أن كل هذه الاعتبارات موجودة بدرجات مختلفة.

لكن التحدي الحقيقي أمام الناخب هو أن يرتبها وفق معيار واحد:

فالولاء الشخصي لا ينبغي أن يلغي المصلحة العامة.

والقرابة لا ينبغي أن تتحول إلى معيار سياسي.

والخدمة الفردية لا ينبغي أن تحجب سؤال التنمية الجماعية.

والحضور الاجتماعي لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الكفاءة السياسية.

والشعبية لا تساوي بالضرورة القدرة على التمثيل.

فالبرلمان ليس مجلساً لتكريم الشخصيات الاجتماعية؛ إنه مؤسسة تشريعية ورقابية وترافعية.


من الأخطاء المنهجية الخلط بين النفوذ والشعبية.

قد يمتلك مرشح شبكة واسعة من العلاقات والمنتخبين والفاعلين المحليين، وهذا يمنحه قوة انتخابية حقيقية.

لكن السؤال:

هل هذه القوة تعكس اقتناعاً شعبياً أم مجرد قدرة تنظيمية؟

الفرق كبير.

الشعبية تُقاس بقدرة المرشح على إقناع الناخب المستقل.

أما النفوذ فيمكن أن يقوم على شبكة من العلاقات والولاءات والمصالح.

وفي الدوائر ذات الطبيعة القروية والمجالية المركبة، يصبح هذا الفرق أكثر أهمية.

فالمرشح الذي يستطيع تحريك شبكة من الأنصار قد يكون قوياً انتخابياً، لكنه ليس بالضرورة الأقوى سياسياً.

ولهذا ستكون معركة الغرب، في جزء كبير منها، معركة بين:

قوة الشبكة وقوة الاقتناع.


لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي دون التوقف عند العامل الاقتصادي.

فالانتخابات لا تجري في فراغ اجتماعي.

هناك الفقر، والبطالة، والهشاشة، وغلاء المعيشة، وضعف فرص الشغل، وأزمة بعض الأنشطة الفلاحية، وانتظارات الشباب، ومشاكل العالم القروي، وضعف بعض الخدمات الأساسية.

هذه كلها تصنع سلوكاً انتخابياً.

وقد يتحول الاحتياج الاقتصادي إلى قابلية للتأثر بالمساعدة أو الوعد أو الوساطة.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الديمقراطية المحلية:

عندما يتحول الحق الانتخابي إلى علاقة تبادل للمصلحة.

الناخب يبيع صوته، والمرشح يشتري الولاء، ثم يتحول البرلمان بعد ذلك إلى حلقة في شبكة المصالح.

والنتيجة أن المواطن الذي احتاج إلى خدمة صغيرة يوم الانتخابات قد يخسر بعد ذلك سنوات من التنمية.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد شراء الأصوات، وإنما ضد ثقافة تجعل المواطن يقبل أن يُختزل حقه السياسي في منفعة عابرة.


في الغرب، كما في عدد من الدوائر المغربية، لا يمكن تجاهل الوزن الاجتماعي للعائلة والقرابة والعلاقات التاريخية.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو:

هل ننتخب من يمثل العائلة أم من يمثل الدائرة؟

وهل يتحول الرصيد الاجتماعي للعائلة إلى حق مكتسب في التمثيلية؟

الديمقراطية لا تعرف المقاعد الموروثة.

المقعد البرلماني ليس ملكاً لأحد.

إنه تفويض مؤقت يمنحه المواطن لمن يراه قادراً على تمثيله.

ومن هنا فإن أي محاولة لتحويل السياسة إلى امتداد للعائلة أو النفوذ أو التوريث ينبغي أن تواجه بسؤال بسيط:

ماذا قدمتم؟

فالماضي وحده لا يكفي.

والاسم وحده لا يكفي.

والعائلة وحدها لا تكفي.

والمال وحده لا يكفي.


تُطرح دائماً، مع كل انتخابات، أسئلة حول دور الإدارة الترابية والسلطات المحلية.

هل ستلتزم الحياد؟

هل ستراقب العملية الانتخابية؟

هل هناك توجه معين؟

هل تستطيع الإدارة أن تؤثر في اتجاهات التصويت؟

هذه أسئلة مشروعة في دولة ديمقراطية، لكن يجب الفصل بين السؤال المشروع والاتهام غير الموثق.

فالقاعدة التي ينبغي الدفاع عنها ليست أن «الداخلية مع هذا أو ضد ذاك»، وإنما:

أن تكون الإدارة خارج المنافسة، وأن تكون مهمتها حماية نزاهة العملية الانتخابية وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

ولهذا فإن أفضل ضمانة ليست الإشاعة، وإنما:

  • مراقبة قانونية ومدنية يقظة؛
  • احترام قواعد الحملة الانتخابية؛
  • تتبع مصادر التمويل؛
  • التصدي لاستعمال المال أو النفوذ غير المشروع؛
  • احترام حرية الناخب؛
  • ضمان تكافؤ الفرص؛
  • والاحتكام إلى المؤسسات المختصة عند وقوع أي خرق.

فالانتخابات في المغرب لا تحتاج إلى «إدارة تفوز لأحد»، وإنما تحتاج إلى إدارة تحمي حق الجميع في التنافس الشريف.


تقدم انتخابات 2021 درساً مهماً.

فقد كانت نسبة المشاركة على مستوى إقليم القنيطرة أقل من 50 بالمائة؛ إذ بلغت 49.80% وفق المعطيات الرسمية التي أوردتها هسبريس، فيما تنافست 16 لائحة على المقاعد الثلاثة لدائرة الغرب.

وهذا يعني أن جزءاً مهماً من المعركة الانتخابية لا يدور فقط بين المرشحين.

إنه يدور أيضاً حول الناخب غير المشارك.

من لا يصوت يترك الآخرين يقررون نيابة عنه.

ومن ثم فإن السؤال في 2026 ليس فقط:

من سيصوت لمن؟

بل:

كم مواطناً سيقرر أصلاً أن يشارك؟

وهذه ربما تكون المعركة الأهم.


الناخب المغربي اليوم ليس بالضرورة هو الناخب نفسه قبل سنوات.

الهاتف الذكي، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الوصول إلى المعلومات، وانتشار النقاش السياسي، وتزايد الوعي بقضايا الحكامة والفساد والتنمية، كلها عوامل تجعل المرشح أكثر عرضة للمساءلة.

لم يعد ممكناً أن تكون الحملة مجرد صور ولقاءات ووعود.

الناخب يستطيع أن يسأل عن الماضي.

ويستطيع أن يقارن.

ويستطيع أن يتابع.

ويستطيع أن يسأل عن الحصيلة.

ولهذا فإن المرشح الذي يريد الفوز في 2026 يحتاج إلى تقديم سيرة سياسية قابلة للتدقيق وليس مجرد خطاب انتخابي.


في هذه الحالة تكون الكفة لمن يمتلك أقوى شبكة محلية، وأوسع امتداد اجتماعي، وأكثر قدرة على تعبئة الناخبين.

وهنا قد يكون اسم المرشح وعلاقاته أقوى من اسم الحزب.

إذا اختار الناخب تقييم التجربة الحكومية، فإن أحزاب الأغلبية ستكون أمام امتحان مباشر.

النجاح سيترجم إلى أصوات.

والفشل سيترجم إلى عقاب انتخابي.

قد يقول الناخب:

«أنا لا أصوت للحكومة، ولا للمعارضة، وإنما لهذا الرجل لأنني أعرفه وأثق فيه».

وهذا سيناريو واقعي، خصوصاً في الدوائر التي يكون فيها للمرشح حضور اجتماعي قوي.

وهو السيناريو الذي لا ينبغي إسقاطه.

ففي الانتخابات، قد يبدو مرشح ما قوياً على مواقع التواصل، بينما تكون قوته الحقيقية محدودة.

وقد يبدو آخر ضعيفاً إعلامياً، لكنه يمتلك حضوراً ميدانياً صامتاً.

وقد يفاجئ الناخب الجميع عندما يقرر أن يصوت ضد كل الحسابات المسبقة.

ولهذا لا ينبغي إعلان النتائج قبل الصندوق.


هذه هي النقطة التي يجب أن تصل إلى كل ناخب في دائرة الغرب.

البرلماني ليس رئيس جماعة.

وليس عاملاً.

وليس باشا.

وليس صاحب شركة توظيف.

وليس وسيطاً للحصول على وثيقة إدارية.

وظيفته الأساسية هي التشريع والمراقبة والترافع السياسي وتمثيل المواطنين.

ومن ثم فإن المرشح الذي يقدم نفسه فقط باعتباره قادراً على «قضاء الأغراض» يحتاج إلى أن يُسأل:

وماذا عن التشريع؟ وماذا عن مراقبة الحكومة؟ وماذا عن الدفاع عن مصالح المنطقة داخل المؤسسة التشريعية؟

إننا بحاجة إلى تغيير مفهوم النائب في الوعي الشعبي:

من «الرجل الذي يقضي الأغراض» إلى «الممثل الذي يدافع عن الحقوق والسياسات والتنمية».


إن المعركة الانتخابية المقبلة ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها صراعاً بين أسماء.

إنها صراع بين نماذج سياسية:

في مقابل

بين:

و

بين:

و

بين:

و

وبين:

و


انتخابات الغرب ليست مجرد موعد انتخابي عابر.

إنها لحظة يمكن أن تعيد فيها الساكنة تعريف علاقتها بالسياسة في المغرب.

فإذا كان الناخب سيصوت للحصيلة، فليحاسب الحصيلة.

وإذا كان سيصوت للحزب، فليقرأ برنامجه ومواقفه.

وإذا كان سيصوت للشخص، فليسأل عن سجله وأدائه.

وإذا كان سيصوت للمنطقة، فليبحث عمن دافع فعلاً عن مصالحها.

أما إذا اختار التصويت على أساس القرابة أو الولاء أو المنفعة العابرة، فإن النتيجة لن تكون مختلفة كثيراً عن الماضي.

لقد آن الأوان لأن يتحول السؤال الانتخابي من:

«من تعرف؟»

إلى:

«ماذا فعل؟»

ومن:

«من يستطيع أن يخدمني؟»

إلى:

«من يستطيع أن يمثلني؟»

ومن:

«من يملك النفوذ؟»

إلى:

«من يملك الكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع؟»

فالمقعد البرلماني ليس جائزة، ولا إرثاً، ولا ملكية عائلية، ولا امتيازاً شخصياً.

إنه أمانة انتخابية مؤقتة.

والناخب ليس تابعاً لأحد.

إنه صاحب القرار.

أما الصندوق، فسيقول في النهاية ما إذا كان الغرب قد اختار استمرار الأشخاص، أم تجديد الثقة، أم معاقبة الحصيلة، أم فتح صفحة سياسية جديدة.

وهنا تحديداً تكمن قيمة انتخابات 2026:

أن تجعل المواطن لا يسأل فقط: من فاز؟

بل يسأل بعد إعلان النتائج: لماذا فاز؟

وعلى أي أساس اخترناه؟

وماذا ننتظر منه؟

فالديمقراطية لا تنتهي لحظة وضع الورقة في الصندوق.

هناك تبدأ مسؤولية المواطن، وتبدأ معها مسؤولية المنتخب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *