الفساد في المغرب.. حين يتحول من سلوك فردي إلى منظومة تحمي نفسها وتعيد إنتاجها

الفساد في الأرض مرفوض شرعاً، ومجرَّم قانوناً، ومرفوض مجتمعياً، لأنه يمثل خروجاً عن الاستقامة وإخلالاً بمقتضيات المسؤولية وبالمصلحة العامة.

لكن الفساد، في المغرب كما في غيره من المجتمعات، لا ينبغي اختزاله دائماً في شخص يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة. فالفعل الفردي، مهما كان خطيراً، يصبح أكثر تعقيداً عندما يجد حوله شبكة من المصالح والعلاقات والتسهيلات والصمت.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: متى يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منظومة قادرة على حماية نفسها وإعادة إنتاج أدواتها؟

قد يبدأ الفساد بقرار فردي، أو استغلال للنفوذ، أو منفعة غير مستحقة، أو تجاوز للقانون. لكن هذا السلوك لا يستطيع الاستمرار طويلاً من دون بيئة تسمح له بالنمو.

فالفساد لا يعيش في الفراغ.

إنه يحتاج إلى ثغرات في الرقابة، وضعف في الشفافية، وتضارب في المصالح، ومساحات غير واضحة في اتخاذ القرار، وأحياناً إلى علاقات تسمح بتبادل المنافع.

وعندما تتكرر هذه العناصر، لا يعود الأمر متعلقاً بشخص واحد، بل يصبح ظاهرة مركبة تستحق أن تُدرس من زاوية أوسع.

في بعض الحالات، يمكن أن تتشكل حول القرار أو المنفعة شبكة من المصالح المتبادلة تضم صاحب القرار، والمستفيد، والوسيط، ومن يسهل الوصول إلى القرار، ومن يمتلك المعلومة، ومن يملك أدوات التأثير، ومن يلتزم الصمت رغم قدرته على الاعتراض.

وهنا يتغير السؤال.

لم يعد كافياً أن نسأل:

بل ينبغي أيضاً أن نسأل:

هذه الأسئلة لا تعني توجيه الاتهام إلى أشخاص بعينهم، وإنما تعني الانتقال من معالجة الحالة إلى فهم الآلية التي أنتجتها.

منظومات النفوذ تحتاج إلى موارد ومنافع تستند إليها.

وقد تظهر هذه المنافع في صور مختلفة: امتيازات، مواقع، صفقات، فرص، تسهيلات أو خدمات، بحسب طبيعة المجال والقرار.

وعندما تتحول الموارد أو المواقع العامة إلى وسيلة لصناعة الولاء بدل أن تخضع لمعايير الاستحقاق والقانون، تنشأ دائرة خطيرة:

وهنا يصبح تغيير الأشخاص وحده غير كافٍ، لأن الآلية نفسها قد تستمر في العمل بأسماء جديدة.

من خصائص شبكات المصالح أن التأثير الحقيقي لا يكون بالضرورة في الواجهة.

قد يظهر صاحب القرار أمام الرأي العام، بينما توجد خلف المشهد علاقات ومصالح ودوائر تأثير تستفيد من القرار أو تحاول التأثير في مساره.

ولهذا فإن الاقتصار على محاسبة الواجهة، عندما تثبت المسؤولية القانونية، لا يكفي دائماً لفهم الصورة كاملة.

النفوذ في حد ذاته ليس فساداً.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول النفوذ غير المشروع إلى قدرة على التأثير في القرارات العامة، أو التحكم في الفرص، أو توجيه الموارد، أو إقصاء المنافسين خارج قواعد الاستحقاق.

عندها لا تصبح القضية مجرد ملف مالي أو إداري.

إنها تصبح قضية ثقة في المؤسسات.

فالمواطن الذي يعتقد أن العلاقات الشخصية أهم من الكفاءة، وأن القرب من مراكز النفوذ يفتح أبواباً مغلقة أمام الآخرين، قد يفقد تدريجياً ثقته في مبدأ تكافؤ الفرص.

وهنا يصبح الفساد مسألة تمس العلاقة بين المواطن والمؤسسة والدولة.

ربما تكون أخطر مراحل الفساد هي اللحظة التي يتوقف فيها المجتمع عن اعتباره استثناءً.

عندما تصبح عبارات مثل «هكذا تسير الأمور» أو «لا يمكن إنجاز شيء دون واسطة» جزءاً من الخطاب اليومي، فإن المشكلة لا تعود في السلوك وحده، وإنما في تطبيع السلوك.

فالاستثناء يتحول إلى ممارسة، والممارسة إلى عادة، والعادة قد تتحول إلى قاعدة غير مكتوبة.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح مواجهة الفساد أكثر تعقيداً؛ لأن المعركة لم تعد ضد فعل محدد، بل ضد ثقافة تسمح بالتعايش معه.

قد تتم محاسبة شخص، وقد يغادر مسؤول موقعه، وقد يتغير القرار أو الإدارة.

لكن السؤال الأهم هو: هل تغيرت البيئة التي سمحت بالمشكلة؟

إذا بقيت القواعد نفسها، واستمرت الثغرات نفسها، وظلت قنوات المحاباة أو تضارب المصالح قائمة، فإن احتمال إعادة إنتاج السلوك يبقى قائماً.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يقوم فقط على تغيير الوجوه، وإنما على إصلاح الآليات والقواعد والمؤسسات.

لأن التركيز على النتيجة دون الأسباب يجعل المعالجة مؤقتة.

فمكافحة الفساد تحتاج إلى أسئلة أكثر عمقاً:

كيف اتُخذ القرار؟

ما المعايير التي استند إليها؟

من استفاد منه؟

هل كانت المعلومات متاحة؟

أين كانت الرقابة؟

هل توجد آليات فعالة لمنع تضارب المصالح؟

وهل توجد مساءلة حقيقية عندما تظهر اختلالات؟

هذه الأسئلة تنقل النقاش من شخصنة الفساد إلى تفكيك آلياته.

إذا كان الفساد قادراً على بناء شبكات، فإن مواجهته تحتاج بدورها إلى مؤسسات قوية وقواعد واضحة.

ومن بين أهم عناصر الوقاية والمواجهة:

  • تعزيز الشفافية في اتخاذ القرار والتدبير.
  • تقوية الرقابة والمساءلة وفق القانون.
  • الحد من تضارب المصالح.
  • حماية تكافؤ الفرص والاستحقاق.
  • تعزيز الحق في الوصول إلى المعلومة وفق الإطار القانوني.
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة.
  • تقوية استقلال وفعالية المؤسسات الرقابية والقضائية ضمن اختصاصاتها.
  • حماية المبلغين وفق الضوابط القانونية.
  • تعزيز ثقافة المصلحة العامة والمواطنة.

لكن الأهم هو الانتقال من سؤال كيف نعاقب الفاسد؟ إلى سؤال أكثر عمقاً:

لا يمكن بناء مؤسسات قوية على أساس تغليب الأشخاص على القواعد، أو الولاءات الخاصة على المصلحة العامة.

فالمؤسسة القوية هي التي تجعل القرار مرتبطاً بالقانون والمعايير والاستحقاق، وليس بالعلاقات الشخصية.

وكلما كانت المؤسسات أكثر شفافية ووضوحاً ومساءلة، تراجعت قدرة شبكات النفوذ غير المشروع على اختراقها.

لذلك فإن مكافحة الفساد ليست حملة موسمية، ولا ملفاً يفتح عند وقوع فضيحة ثم يغلق، وإنما هي مسار مؤسساتي طويل يقوم على الوقاية والرقابة والمساءلة والإصلاح.

الفاسد قد يكون فرداً، لكن الفساد قد يكون أكبر من الفرد.

وقد يبدأ الأمر بتجاوز فردي، ثم يتحول إلى علاقة مصلحة، ثم إلى شبكة نفوذ، ثم إلى آلية تعيد إنتاج نفسها.

ولهذا فإن مواجهة الفساد في المغرب لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد معركة ضد أسماء أو أشخاص، وإنما إلى ورش مؤسساتي دائم يعالج أسباب الظاهرة ويغلق المنافذ التي تسمح باستمرارها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط:

بل أيضاً:

فالمجتمع لا يتحرر من الفساد بمجرد إسقاط بعض الفاسدين، وإنما عندما تصبح منظومة الفساد نفسها عاجزة عن إنتاج فاسدين جدد.

وهنا تحديداً يبدأ الإصلاح الحقيقي: بتجفيف منابع الفساد، وتقوية المؤسسات، وإعلاء القانون، وحماية المال العام، وإعادة الاعتبار للاستحقاق والكفاءة، ووضع المصلحة العامة فوق شبكات المصالح الخاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *