🔴 82 جثماناً في سبتة.. هل يُدفنون قبل أن تعرف عائلاتهم الحقيقة؟

ليست مجرد أرقام جديدة في مأساة الهجرة، وليست مجرد جثامين تنتظر مكاناً في مقبرة. خلف كل جثمان قصة إنسان، وخلف كل اسم مفقود أسرة مغربية تنتظر خبراً قد يغيّر حياتها إلى الأبد.

في مدينة سبتة المحتلة، عادت مأساة الهجرة إلى الواجهة بقوة، بعدما ارتفع عدد الجثامين التي تم انتشالها من البحر إلى 82 جثماناً عقب محاولات العبور الجماعي نحو المدينة نهاية يوليوز الماضي. والأكثر إيلاماً أن تحديد هويات الضحايا لا يزال متعثراً؛ إذ لم يتم، وفق آخر المعطيات المنشورة، التعرف سوى على ستة أشخاص، ثلاثة بواسطة البصمات وثلاثة عبر تحاليل الحمض النووي.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة:

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان دقت ناقوس الخطر، وطالبت السلطات المغربية بالتدخل العاجل لوقف دفن الجثامين إلى حين استكمال إجراءات التعرف على هويات أصحابها، والعمل على إعادتهم إلى المغرب وتسليمهم إلى أسرهم لدفنهم بكرامة.

كما طالبت الجمعية بتسخير كل الإمكانيات العلمية والتقنية المتاحة، وعلى رأسها تحاليل DNA، ومطابقة العينات مع أسر الأشخاص الذين فقدوا أبناءهم خلال محاولات العبور.

المطلب هنا واضح وبسيط:

أن يموت الإنسان في البحر مأساة.

لكن أن تموت أسرة كل يوم وهي لا تعرف هل ابنها بين الضحايا أم لا، فهذه مأساة أخرى.

هناك أمهات قد تكون في هذه اللحظات تنتظر عودة ابنها.

وهناك آباء يبحثون عن صورة، أو اسم، أو معلومة صغيرة تساعدهم على معرفة الحقيقة.

وهناك أسر قد لا تريد شيئاً سوى أن تعرف:

لهذا فإن قضية الـ82 جثماناً ليست قضية هجرة فقط، وإنما قضية كرامة إنسان وحق أسرة في معرفة مصير أحد أفرادها.

التعامل مع هذا الملف لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو تحميل المغرب وحده مسؤولية مأساة معقدة تتداخل فيها الهجرة والحدود والظروف الاجتماعية والإنسانية.

بل على العكس، المطلوب هو أن تتحرك المؤسسات المغربية عبر القنوات الدبلوماسية والقنصلية بكل ما يلزم من سرعة وتنسيق، حتى يتم التعرف على الضحايا وإعادة من ثبتت هويتهم إلى أسرهم.

وهذا التحرك لا ينتقص من المغرب، بل يؤكد أن المواطن المغربي تظل كرامته محفوظة أينما كان، وحتى بعد وفاته.

وقد أكدت المعطيات الإسبانية أن بيانات الجثامين أُرسلت إلى المغرب للمساعدة في عملية تحديد الهوية، بينما تستمر عمليات المطابقة بواسطة البصمات والعينات البيولوجية.

إذا كانت البصمات وحدها لا تكفي، فهناك الحمض النووي.

وإذا كانت قواعد البيانات لا تقدم جواباً، فهناك الأسر.

وإذا كانت هناك عائلات تبحث عن أبنائها، فلماذا لا يتم توسيع عملية أخذ العينات ومطابقتها بشكل عاجل ومنظم؟

إن التطور العلمي اليوم قادر على حل كثير من الألغاز التي كانت مستحيلة قبل سنوات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن التعرف على هؤلاء؟

بل:

المثير في القضية أن السلطات في سبتة كانت تستعد لدفن الجثامين، بعدما تجاوزت مدة الاحتفاظ بها في ظروف الحفظ المعتادة، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية. وفي الوقت نفسه، أكدت السلطات أن عملية التعرف يمكن أن تستمر بعد الدفن، مع الاحتفاظ ببيانات التعريف وإمكانية اللجوء لاحقاً إلى إجراءات استخراج الجثمان عند ظهور أدلة جديدة.

لكن بالنسبة إلى الأسرة، يبقى الأمر مختلفاً.

الأسرة تريد أن تعرف أين يوجد ابنها، وأن تتأكد من هويته، وأن تشارك في قرار دفنه، وأن يكون له قبر يحمل اسمه لا رقماً فقط.

في كل مرة نتحدث فيها عن الهجرة غير النظامية، نسمع أرقاماً:

آلاف عبروا، عشرات مفقودون، عشرات لقوا حتفهم…

لكن الأرقام تخفي وراءها وجوهاً وأسماءً وأحلاماً وعائلات.

والـ82 جثماناً التي انتُشلت من البحر ليست 82 رقماً.

إنهم 82 إنساناً، ومن بينهم مغاربة بحسب المعطيات المتوفرة، فيما تشير التقارير إلى أن غالبية الضحايا كانوا من أصول مغربية، مع وجود ضحايا من جنسيات أخرى أيضاً.

ولهذا تحرص الوطن24 على التدقيق في المعطيات: فالرقم المؤكد هو 82 جثماناً تم انتشالها في سبتة، وليس من الدقة اعتبار جميعها مغاربة قبل استكمال تحديد الهويات.

في هذا اليوم المبارك، وبينما تنتظر أسر الحقيقة، لا يسعنا إلا أن نقول:

أما المسؤولون، في المغرب وإسبانيا، فالمطلوب اليوم واضح:

فالموت قد ينهي حياة الإنسان، لكنه لا ينهي حقه في الاسم والكرامة، ولا ينهي حق أسرته في معرفة الحقيقة.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *