المغرب.. خطبة جمعة تهزّ بركان: حين يتحدث المنبر بلغة الشباب ويسأل الدولة عن مسؤوليتها

لم تكن خطبة الجمعة بمسجد الغفران بمدينة بركان مجرد موعظة دينية عابرة، بعدما تحولت مضامينها المتداولة إلى موضوع نقاش واسع، خاصة بعد تداول معطيات تفيد بإبعاد الخطيب الشاب سعيد الطاهري عن اعتلاء المنبر.

الخطبة اختارت الاقتراب من أسئلة تبدو أكثر إلحاحاً في الشارع المغربي: ما الذي يدفع شاباً إلى مغادرة وطنه؟ لماذا يخاطر البعض بحياته في البحر؟ وهل يكفي أن نطالب المواطن بحب الوطن، من دون أن نضمن له التعليم والصحة والشغل والأمن والعيش الكريم؟

وبلغة قريبة من الشباب، وضع الخطيب القضية في إطار مختلف، مؤكداً أن العلاقة بين المواطن والدولة ليست طريقاً في اتجاه واحد؛ فكما أن للمواطن واجبات تجاه وطنه، فإن للدولة أيضاً واجبات تجاه مواطنيها.

جوهر الخطبة، وفق مضمونها المتداول، كان واضحاً: لا يمكن مطالبة شاب بالتمسك بوطنه فقط عبر الخطابات، بينما هو يبحث عن مدرسة جيدة، ومستشفى يحترم كرامته، وفرصة عمل، وأفق يسمح له ببناء مستقبله.

فالشاب الذي يفكر في الهجرة لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره شخصاً “لا يحب وطنه”، بل ينبغي أيضاً طرح سؤال أكثر عمقاً: ما الأسباب التي جعلته يفقد الثقة في إمكانية بناء مستقبله داخل بلده؟

وهنا انتقل الخطيب من خطاب الوعظ التقليدي إلى خطاب اجتماعي يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب: هجرة الشباب والمخاطرة بالحياة بحثاً عن مستقبل أفضل.

فالرسالة لم تكن، كما يبدو من مضمون الخطبة، دعوة إلى الهجرة أو تبريراً للمخاطرة في البحر، بل العكس تماماً؛ إذ شدد الخطيب على ضرورة توعية الشباب، وبناء الإنسان قبل بناء الحجر، وتوفير تعليم ومناهج قادرة على إنتاج مواطن واعٍ ومثقف يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك أن الهجرة نفسها تحتاج إلى مؤهلات ولغة وثقافة وقدرة على الاندماج.

ربما كانت أكثر الأفكار إثارة في الخطبة تلك التي تختصر الإشكال كله في معادلة بسيطة:

فحب الوطن، وفق هذا المنطق، لا يُبنى فقط بالكلمات، وإنما أيضاً بالمدرسة والمستشفى والعمل والأمن والاستقرار والكرامة.

وحين يشعر الشاب بأن مستقبله ممكن داخل بلده، وأن بإمكانه الحصول على تعليم جيد وعمل محترم وحياة كريمة، فإن الحديث عن المواطنة يصبح أكثر واقعية وتأثيراً.

أما حين تتحول علاقة المواطن بوطنه إلى مجرد مطالبة بالواجبات، مع إغفال الحقوق، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل المواطنة واجبات فقط، أم أنها أيضاً حقوق ومسؤوليات متبادلة؟

جانب آخر منح الخطبة صداها هو شخصية الخطيب نفسه.

فبحسب المعطيات المتداولة، يتعلق الأمر بفقيه شاب يتحدث إلى جيل يعيش واقعاً مختلفاً تماماً عن الأجيال السابقة؛ جيل الإنترنت، والبطالة، والهجرة، وتبدل القيم، وأزمة الثقة، وأسئلة المستقبل.

ولذلك، فإن حديث الخطيب عن الشباب بلغة قريبة من واقعهم قد يكون أحد أسباب تفاعل البعض مع الخطبة، لأنها لم تتعامل مع الشاب باعتباره مجرد موضوع للوعظ، وإنما باعتباره إنساناً له أسئلة ومخاوف وطموحات.

وهنا يبرز سؤال أكبر من واقعة بركان نفسها:

لا خلاف على أن خطبة الجمعة ليست مجالاً للصراع السياسي أو التحريض أو استهداف المؤسسات والأشخاص، وأن للخطاب الديني ضوابطه ومسؤوليته.

لكن في المقابل، فإن الحديث عن التعليم والصحة والشغل والكرامة والأسرة والشباب والهجرة واليأس الاجتماعي يظل، في جوهره، حديثاً عن الإنسان والمجتمع.

وهنا تكمن حساسية القضية.

فالمطلوب ليس أن يتحول الخطيب إلى سياسي، ولا أن يصبح المنبر منصة للدعاية الحزبية، وإنما أن يبقى قادراً على تقديم النصح والإرشاد والتوعية، وأن يلامس القضايا التي تشغل الناس، في إطار المسؤولية والحكمة والضوابط القانونية والدينية.

ومن هذه الزاوية، فإن أي قرار يتعلق بخطيب أو مضمون خطبة يظل بحاجة إلى توضيح مؤسساتي، حتى يعرف الرأي العام هل يتعلق الأمر بمخالفة محددة للضوابط، أم بتقدير آخر لطبيعة الخطاب.

الجزء الأكثر قوة في الخطبة كان وضع قضية الهجرة في سياقها الاجتماعي.

فالشاب الذي يرمي بنفسه في البحر لا ينبغي أن يُرى فقط باعتباره شخصاً متهوراً، وإنما باعتباره أيضاً مرآة لواقع يحتاج إلى دراسة.

لماذا يغامر؟

لماذا يترك أسرته؟

لماذا يختار المجهول؟

ولماذا تصبح الضفة الأخرى، بالنسبة إليه، أكثر إغراءً من المستقبل الذي ينتظره في وطنه؟

هذه الأسئلة لا تعني تبرير الهجرة غير النظامية، ولا تعني تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل قرار فردي، لكنها تفرض الاعتراف بأن الظاهرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية وتعليمية ونفسية وثقافية متشابكة.

ومن هنا جاءت دعوة الخطيب إلى “بناء الإنسان قبل بناء البنيان”، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي في الشباب يبدأ من المدرسة والجامعة والتكوين والثقافة والوعي.

الخطبة أعادت كذلك طرح مفهوم المواطنة باعتباره علاقة متبادلة.

فالمواطن مطالب باحترام القانون وأداء واجباته والمساهمة في بناء وطنه، لكن الدولة، في المقابل، مطالبة بتوفير شروط تمكن المواطن من ممارسة مواطنته بكرامة.

وهذا هو جوهر الرسالة التي بدت حاضرة بقوة في الخطبة: كل طرف يجب أن يتحمل مسؤوليته في المكان الذي يوجد فيه.

المسؤول يتحمل مسؤوليته من موقع المسؤولية، والمواطن يتحمل مسؤوليته كمواطن.

والمشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن الواجبات إلى خطاب أحادي الاتجاه، بينما تغيب الأسئلة المتعلقة بالحقوق والإنصاف وتكافؤ الفرص.

سواء اتفق المرء مع الخطيب سعيد الطاهري أو اختلف معه، فإن مضمون الخطبة يفتح نقاشاً يتجاوز شخصه بكثير.

إنه نقاش حول طبيعة الخطاب الديني في المغرب، وحول علاقته بالشباب، وحول قدرة المنبر على استيعاب التحولات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع.

كما أنه نقاش حول سؤال أكثر عمقاً: هل يكفي أن نطالب الشباب بحب الوطن، أم علينا أن نجعلهم يشعرون بأن الوطن يحبهم أيضاً؟

فالوطن لا يُقاس فقط بما يقوله الناس عنه، وإنما أيضاً بما يمنحه لأبنائه من فرص وأمل وكرامة.

وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر شاب في مقتبل العمر بأن مستقبله يوجد في مكان آخر، وأن البحر، بكل مخاطره، أصبح في نظره أقرب إلى الحلم من وطنه.

إذا كان المطلوب من الشباب ألا يرموا بأنفسهم في البحر، فإن السؤال المقابل هو: ماذا نفعل حتى لا يصبح البحر خياراً في ذهنهم أصلاً؟

وإذا كان المطلوب منهم التشبث بالوطن، فكيف نجعل الوطن قادراً على منحهم أسباب التشبث به؟

هذه ليست دعوة إلى جلد الدولة، ولا إلى إعفاء المواطن من مسؤولياته، وإنما دعوة إلى النظر إلى المواطنة باعتبارها عقداً متبادلاً: حقوق مقابل واجبات، ومسؤولية مقابل مسؤولية، وثقة تُبنى بالفعل قبل أن تُطلب بالكلام.

وفي النهاية، تبقى خطبة بركان، وما ترتب عنها من جدل، مناسبة لإعادة طرح سؤال لا ينبغي أن يخيف أحداً:

هل نريد منبراً يكرر ما اعتاد الناس سماعه، أم منبراً يستطيع أن يسمع أولاً ما يقوله الناس؟

فحين يتحدث الشباب عن المستقبل، وحين يبحثون عن العمل والكرامة والتعليم والصحة، وحين يخاطر بعضهم بحياته في البحر، فإن تجاهل الأسئلة لا يلغي المشكلة.

وربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت من هذه الخطبة هي أن حب الوطن لا ينبغي أن يكون مجرد مطلب من المواطن، بل نتيجة طبيعية لوطن يمنح أبناءه أسباب الأمل في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *