المغرب.. حكومة ما قبل الانتخابات: من يوزّع الحقائب قبل أن يقول الناخب كلمته؟

بين استقطاب المنتخبين، وانتقال فوزي لقجع إلى الأصالة والمعاصرة، والتسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، يبدو أن الصراع بين مكونات الأغلبية الحكومية انتقل من التعايش داخل الحكومة إلى التنافس على هندسة المشهد السياسي لما بعد انتخابات 23 شتنبر 2026. والسؤال الأهم ليس فقط: ماذا قيل في التسجيل؟ وإنما: لماذا قيل، ولماذا ظهر الآن، ومن يريد أن يسمعه؟

لم تكن الساحة السياسية المغربية في حاجة إلى كثير من المؤشرات حتى تدرك أن العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية دخلت مرحلة جديدة من التنافس.

لكن ما جرى خلال الأيام الأخيرة أخرج هذا التنافس من دائرة الإشارات والتلميحات إلى فضاء أكثر وضوحاً، بعدما أصدر حزب التجمع الوطني للأحرار بلاغاً شديد اللهجة تحدث فيه عن استمالات وضغوط قال إنها طالت عدداً من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته، وربطها بتحركات لحزب الأصالة والمعاصرة.

ثم جاء التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، ليمنح الخلاف وجهاً أكثر حدة، بعدما تضمن، وفق ما نشرته منابر إعلامية، انتقادات لفوزي لقجع، الذي التحق رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، فضلاً عن موقف منسوب إليه يرفض إسناد وزارة الاقتصاد والمالية إلى لقجع في الحكومة المقبلة.

وهنا ينبغي، منذ البداية، التمييز بين مستويين: الموقف الحزبي الرسمي المعلن، ومضمون التسجيل الصوتي المنسوب إلى أحد قياديي الحزب.

فبلاغ الأحرار تحدث رسمياً عن الاستمالة والضغوط والتنافس الانتخابي، لكنه لا يشكل في حد ذاته تأكيداً لصحة كل العبارات الواردة في التسجيل المتداول، كما أن أصالة التسجيل وسياقه الكامل يظلان بحاجة إلى تحقق مستقل.

لكن، حتى مع هذا التحفظ الضروري، فإن الواقعة تكشف شيئاً أبعد من مضمون التسجيل نفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

من الناحية الدستورية، المسار واضح.

فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة ليست معطى جاهزاً، ولا يمكن اعتبار توزيع حقائبها أمراً محسوماً قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، وقبل أن تتضح موازين القوى والتحالفات الممكنة.

غير أن السياسة شيء آخر.

فالسياسيون لا ينتظرون دائماً النتائج حتى يبدأوا في بناء السيناريوهات.

الأحزاب تستطلع مواقعها، وتستقطب المرشحين، وتعيد ترتيب صفوفها، وتبحث عن حلفائها المحتملين، وتقرأ نقاط القوة والضعف، وتستعد لما بعد يوم الاقتراع.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحديث المبكر عن أسماء بعينها وحقائب بعينها.

لكن الفرق كبير بين التفكير في السيناريوهات وبين التصرف وكأن نتائج الانتخابات قد حُسمت سلفاً.

وهنا تحديداً تكمن حساسية اللحظة.

لم يكن انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة انتقالاً عادياً في السياق السياسي الراهن.

فالرجل التحق رسمياً بالحزب في يوليوز 2026، وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، في خطوة جاءت قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

كما أن لقجع يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ويرأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهو ما يجعل انتقاله إلى العمل الحزبي المباشر ذا دلالة سياسية وانتخابية واضحة. وتؤكد المعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية استمرار صفته الحكومية كوزير منتدب مكلف بالميزانية خلال سنة 2026.

لذلك فإن استقطابه حمل منذ البداية دلالة انتخابية وحزبية تتجاوز الشخص نفسه.

فـ«البام» لم يستقطب مجرد مرشح جديد، بل استقطب شخصية توجد في موقع حكومي يرتبط مباشرة بملفات الميزانية والمالية، إلى جانب حضوره الرياضي والمؤسساتي.

ومن الطبيعي، في ظل اقتراب الانتخابات، أن يتحول هذا الانتقال إلى عنصر من عناصر إعادة تشكيل موازين القوة بين الحزبين.

لكن هنا أيضاً يبرز سؤال أكثر عمقاً:

ربما تكون الإجابة في الاثنين معاً، وربما يكون الصراع الحقيقي أكبر من الشخص.

عندما يرد اسم وزارة الاقتصاد والمالية في خضم هذا السجال، فإن الأمر لا يتعلق بحقيبة عادية.

وزارة المالية توجد في قلب صناعة القرار الاقتصادي، وترتبط بالميزانية والاستثمار والمالية العمومية والاختيارات الاقتصادية الكبرى.

ولذلك فإن الحديث عن الشخص الذي قد يتولى هذه الحقيبة هو، في جوهره، حديث عن جزء من هندسة القرار الاقتصادي في الحكومة المقبلة.

من هنا يمكن قراءة العبارة المنسوبة إلى الطالبي العلمي بشأن رفض إسناد الحقيبة إلى لقجع، لا باعتبارها قراراً سياسياً ملزماً، وإنما باعتبارها ــ إذا ثبتت صحة التسجيل وسياقه ــ إشارة إلى موقف داخل النقاش الحزبي حول الحكومة المقبلة.

وإذا صح أيضاً أن الحديث تطرق إلى احتمال استمرار نادية فتاح العلوي في وزارة المالية في حال جاء الأحرار في المرتبة الثانية، فإن ذلك يفتح باباً أكثر إثارة للتساؤل:

لكن ينبغي ألا ننسى أن هذا، في هذه المرحلة، يظل سيناريو سياسياً محتملاً وليس قراراً حكومياً.

الأخطر في المشهد ربما لا يكون انتقال هذا الاسم أو ذاك من حزب إلى حزب.

الخطر الحقيقي هو أن تتحول السياسة من منافسة بين البرامج إلى منافسة على الأشخاص.

فبلاغ التجمع الوطني للأحرار تحدث صراحة عن استمالات وضغوط طالت برلمانيين ومنتخبين وقيادات، واعتبر الحزب أن الأمر تجاوز حدود التنافس السياسي الطبيعي.

وهنا يجب التمييز بين أمرين.

الأول هو الانتقال السياسي أو الحزبي باعتباره ممارسة قانونية وسياسية ممكنة.

والثاني هو الضغط أو الإكراه أو استعمال وسائل غير مشروعة للتأثير في الاختيار السياسي، وهي أمور تحتاج إلى أدلة وإثباتات ولا يمكن تحويل الاتهامات بشأنها إلى حقائق نهائية دون تحقق.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستقطاب نفسه بديلاً عن المشروع السياسي.

فالناخب لا يحتاج إلى أن يعرف فقط من انتقل من حزب إلى آخر؛ بل يحتاج إلى معرفة ماذا سيقدم الحزب له.

ما البرنامج الاقتصادي؟

ما الحلول المقترحة للتشغيل؟

ما مستقبل الصحة والتعليم؟

كيف ستعالج الفوارق المجالية؟

ما النموذج المقترح للاستثمار والتنمية؟

وما الذي ستفعله الحكومة المقبلة بشكل مختلف؟

حين تتحول الانتخابات إلى سوق للأسماء، يصبح البرنامج في الخلف، ويصبح المواطن متفرجاً على مباراة بين التنظيمات حول من يملك العدد الأكبر من المرشحين والمنتخبين.

وهنا تكون الديمقراطية قد فقدت جزءاً من معناها.

التسجيل الصوتي المتداول لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية ما ورد فيه.

هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل كان التسريب نتيجة انفلات من داخل اجتماع حزبي؟

هل كان مقصوداً؟

هل أراد صاحبه الضغط على طرف معين؟

هل أراد طرف آخر توظيفه انتخابياً؟

أم أن التسجيل خرج إلى العلن دون أن يتحكم أحد في نتائجه؟

لا توجد، في المعطيات المتاحة، إجابة حاسمة تسمح بالجزم.

لكن المؤكد أن التسجيل، بمجرد تداوله، أصبح جزءاً من النقاش السياسي نفسه.

فمنذ لحظة نشره لم يعد السؤال فقط: ماذا قال الطالبي العلمي؟

بل أصبح أيضاً:

وهذه هي السياسة في زمن التسريبات: أحياناً لا يكون أهم ما في الرسالة ما قيل فيها، بل الجهة التي أرادت أن يسمعها الجميع.

من الناحية السياسية، يظل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة ضمن مكونات الأغلبية الحكومية الحالية، إلى جانب حزب الاستقلال.

لكن الانتخابات تغير قواعد اللعبة.

فالحزب الذي يجلس اليوم إلى جانب حليفه حول طاولة الحكومة قد يجلس غداً أمامه في المنافسة الانتخابية.

والوزير الذي يعمل اليوم داخل الحكومة قد يصبح غداً مرشحاً لحزب ينافس الحزب الذي ينتمي إليه حليف الأمس.

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات السياسية تعقيداً:

الجواب أن الشراكة الحكومية لها منطقها، والانتخابات لها منطق آخر.

لكن الخط الفاصل بين الاثنين يجب ألا يتحول إلى منطقة رمادية تسمح بتغليب المصالح الحزبية الضيقة على مصلحة المؤسسات أو صورة العمل السياسي.

هذا هو السؤال المركزي الذي يجب أن يعود إلى الواجهة.

ليس الحزب الأقوى في الكواليس هو الذي يشكل الحكومة.

وليس الحزب الأكثر قدرة على استقطاب الأسماء هو بالضرورة الحزب الذي سيقودها.

وليس أي قيادي، مهما كان موقعه، هو الذي يقرر وحده توزيع الحقائب.

إنها نتائج الانتخابات أولاً، ثم المشاورات السياسية والمؤسساتية التي تليها، في إطار الاختصاصات الدستورية.

فالفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب، وينص على تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

ومن هنا فإن الحديث المبكر عن «فيتو» على هذا الاسم أو ذاك ينبغي أن يُفهم باعتباره موقفاً سياسياً أو ورقة تفاوضية محتملة، لا قراراً ملزماً بشأن الحكومة المقبلة.

فالفيتو الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس في يد حزب ولا في يد قيادي.

ربما يكون اختزال المواجهة في شخص لقجع خطأً في قراءة المشهد.

الصراع الأوسع هو على:

  • من سيقود المرحلة المقبلة؟
  • من سيحتل المرتبة الأولى؟
  • من سيملك القدرة على تشكيل الأغلبية؟
  • من سيحتفظ بموقعه داخل الحكومة؟
  • ومن سيدخلها من موقع أقوى؟
  • ومن سيملك مفاتيح القرار الاقتصادي؟
  • ومن سيستطيع تحويل حضوره الانتخابي إلى نفوذ حكومي؟

لهذا فإن الاستقطابات الحالية ليست مجرد عمليات انتقال حزبي.

وكلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفعت قيمة كل مرشح، وكل منتخب، وكل دائرة، وكل اسم قادر على ترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك.

وسط هذا الصخب كله، هناك طرف يكاد يغيب عن المشهد:

الناخب.

الأحزاب تتحدث عن المرشحين.

القيادات تتحدث عن التحالفات.

التسجيلات تتحدث عن الحقائب.

والكواليس تتحدث عن الحكومة.

لكن المواطن يريد أن يعرف شيئاً أبسط:

إن قيمة الديمقراطية لا تقاس بعدد الأسماء التي استطاع حزب استقطابها، ولا بعدد المنتخبين الذين انتقلوا من ضفة إلى أخرى، ولا بعدد الحقائب التي يتوقعها هذا الحزب أو ذاك.

تقاس بقدرة الناخب على الاختيار الحر بين مشاريع واضحة، وبقدرة الأحزاب على احترام إرادته، وبقبول الجميع بنتائج الصندوق مهما كانت.

ما يحدث اليوم يقدم صورة مكبرة عن أزمة أعمق في الممارسة الحزبية: الانتقال من التنافس على البرامج إلى التنافس على المواقع، ومن استمالة الناخب إلى استمالة المرشح، ومن انتظار النتائج إلى بناء سيناريوهات الحكومة قبل ظهورها.

أما التسجيل الصوتي المنسوب إلى الطالبي العلمي، فهو ليس القضية كلها، بل هو نافذة فتحت فجأة على غرفة أكبر بكثير.

غرفة يوجد فيها صراع الأحرار والبام، واستقطاب المنتخبين، وانتقال لقجع، ومستقبل وزارة المالية، وحسابات المرتبة الأولى والثانية، وأسئلة التحالفات المقبلة.

لكن كل هذه الحسابات تظل معلقة إلى أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها.

فالانتخابات ليست مسابقة بين الكواليس، ولا مباراة في استقطاب الأسماء، ولا عملية توزيع مسبق للحقائب.

الانتخابات عقدٌ بين الناخب والحزب، والحكومة نتيجةٌ سياسية وإرادةٌ مؤسساتية، والحقائب لا تُحسم قبل أن تُعرف موازين القوى.

ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً إلى يوم الاقتراع ليس:

بل:

فالصناديق لم تُفتح بعد.

والحكومة لم تُشكّل بعد.

أما من بدأ يتحدث عن الحكومة قبل الانتخابات، فعليه أن يتذكر أن هناك طرفاً واحداً لم يقل كلمته بعد:

الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *