المحتوى التافه، سم يقتل وعي المجتمع عن طريق الأنترنيت

الوطن 24/ بقلم: ياسين الأزعر

إذا عدنا للوراء نجد أن تدمير الحضارات و الدول والشعوب كان يحتاج للاحتلال العسكري وبذل مجهود كبير وتوفير عتاد ومعدات عسكرية واقتصادية، ويحتاج لسنين من القتال وسقوط ضحايا وأسرى، لكن اليوم أصبح الأمر سهلا جدا لتدمير مجتمع معين وطمس حضارة وهوية معينة، بل أصبح لا يكلف أكثر من نشر فيديو بمحتوى مسموم وتافه لا تتجاوز مدته خمس دقائق وهاتف ذكي وتعبئة الأنترنيت للهاتف ( 10 دراهم)، وستجده يحتل الأكثر مشاهدة عبر تراب المملكة، فيديو يحمل في طياته رسائل تدمر فكر الشباب وتسعى لترسيخ ثقافة (لكلاش) بالكلام النابي وفضح الأسرار،  وقد تجد فيديو آخر يظهر صاحبه يعيش عيشة البذخ من مداخيل اليوتيوب … تاركا في باطنه رسالة للشباب مفادها ” اتركوا أقسامكم واتجهوا صوب هواتفكم فهي من ستجلب المال، واتركوا العلم ووجهوا أنفسكم نحو الجهل فهو من سيجلب لكم آخر أنواع الهواتف والسيارات “، وفيديو آخر يحرض الشباب على العنف من خلال أفلام قصيرة لم يعد كتاب سيناريوهاتها يعتمد على الثقافة وبناء الفكرة والجملة والفقرة والبداية والنهاية والعقدة…، بل أصبح يعتمد على حمل السيوف لا الأقلام والأفكار وكأنه يقول إذا أردت أن تفرض نفسك داخل المجتمع فعليك بحمل الساطور وليس القلم، عليك بإراقة الدماء لا مداد القلم، كل هذه أحداث ووقائع تدور في فلك مواقع التواصل الاجتماعي هدفها الأسمى تدمير المجتمع تدميرا فكريا وقيميا، فهي تسعى لطمس مبادئ الأفراد وتسطير الطريق له ليمر منها ومراكمة أصحاب هذه المحتويات لثروات كبيرة بسبب جمود عقل المشاهد لها وعدم التفكير بأنه يساهم في تدمير وتأزيم الواقع المجتمعي، كل الذي ذكرناه جعل الحرب العسكرية لتدمير الحضارات تتحول لحرب تكنولوجية من خلال تسميم محتويات الأنترنيت والتي (الحرب) لا تراق فيها قطرة دم واحدة كما أنها غير مكلفة في الجهد والوقت والاقتصاد.

 أما بلغة الإحصائيات والأرقام سنجد أن التفاهة تتصدر المشهد، والإفادة والاستفادة علميا وثقافيا تتذيله والدليل على ذلك، ستجد فيديو لا يحمل في محتواه أية إفادة لصاحبه (ه.م) وهو يرد على يوتيبر أخرى بأسلوب ومحتوى يفوق التفاهة وقد حصد في ظرف 24 ساعة 556 747 مشاهدة من تاريخ – 30 أبريل إلى 01 ماي 2021 وفيديو آخر لصاحبه (ن.س) عبارة عن أغنية كلاش لما يسميها زوجتن بتاريخ 27 أبريل إلى 01 ماي حصد 2 مليون مشاهدة، في المقابل سنجد أن فيديو اليوتيبر (مصطفى سوينغا) يناقش فيه القاسم الانتاخابي الجديد بتاريخ 18 مارس إلى 01 ماي 2021 حصد عدد مشاهدات قدره 010 242، وفيديو آخر لليوتيبر (راغيب أمين) يناقش فيه المستجدات الضريبية لليوتيوب بتاريخ 10 مارس إلى 01 ماي 2021 حصد 284 131 مشاهدة.

 هذه مقارنة بسيطة بين محتوى في قمة الرذاءة وآخر في قمة الروعة، للأسف نجد أن متابعي السموم أكثر بكثير من متابعي الثقافة والسياسة والتكنولوجيا، مقارنة جعلتنا نتيقن أن المجتمع يحب القذارة بل ويدعمها وفي الأخير ينتقدها، مقارنة جعلتنا نتيقين أن الرقي والسمو أصبح عملة نادرة في مجتمع يتصدر مشهده أشخاص دون المستوى، مقارنة تجعلنا نحن القاضي الذي يجب أن يحكم على نفسنا بالنفي خارج عالم مواقع التواصل لأننا لا نحسن التعامل معها، مواقع كانت المتنفس الوحيد للبحث ونشر المعلومة القيمة لكن للأسف أصبحت ملوثة ومسمومة.

خلاصة القول والكلام، يجب أن نراجع واقعنا المعاش وتفكيرنا السائد، يجب أن نكون صرحاء مع انفسنا ونختار إما التفاهة وإما القيمة المضافة، فلا يوجد منزلة وسطى بينهما، فتغيير الواقع يبدأ بتغيير تفكير كل فرد في المجتمع، تفكير يجب أن يتغير أولا بإدراكه لأهمية الوقت في حياة الإنسان وأهمية الثقافة والدراسة والاجتهاد كل في مجال تخصصه، وثانيا بنشر ما نتعلمه من ما هو مفيد ونشاركه مع بعضنا، فلا فخر لنا اليوم بهذا الواقع ولكن نحلم أن نكون فخورين غدا بأن يعاد ترتيب الأوراق ويعاد كل شخص لمكانه الذي يستحقه ويكون لنا شعار واحد بالبنت العرض ” العلم أولا “