المغرب: حكومة جديدة بوجوه مألوفة… لماذا الانتخابات إذا لم يتغير جوهر السياسات؟

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
من أصعب الأسئلة في السياسة ليس كيف يصل المسؤول إلى كرسي السلطة، بل كيف تتحول المسؤولية إلى فرصة للتجديد، بدل أن يصبح استمرار الأشخاص هو الصورة الأكثر حضورًا في المشهد العام. وفي المغرب، أعاد تشكيل الحكومة الجديدة فتح نقاش مشروع حول حدود التغيير الحكومي، وقدرة الأحزاب على تجديد نخبها، ومدى انعكاس الانتخابات على السياسات التي تمس حياة المواطنين.
في 16 أكتوبر 2026، جرى تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عقب الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 23 شتنبر. وجمعت التشكيلة بين أسماء استمرت في مناصبها، وأخرى تولت مسؤوليات جديدة، ووجوه دخلت الحكومة للمرة الأولى أو عادت إليها. ومن بين المسؤولين الذين احتفظوا بحقائبهم عبد الوافي لفتيت، وناصر بوريطة، وعبد اللطيف وهبي، وأحمد التوفيق، ونزار بركة، ومحمد المهدي بنسعيد، فيما تولى فوزي لقجع حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.
هذه الوقائع تفتح باب النقاش، لكنها لا تحسم وحدها الحكم على الحكومة. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الأسماء التي بقيت أو غادرت، وإنما ما إذا كانت المرحلة الجديدة ستقدم حلولًا أكثر فاعلية، وتدبيرًا أكثر نجاعة، ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: إذا كانت الانتخابات محطة لتجديد الاختيارات السياسية، فما الذي يجعل المواطن يلمس الفرق بين حكومة وأخرى، إذا استمر عدد من الوجوه وبقيت بعض التحديات الاجتماعية والاقتصادية نفسها؟
الانتخابات ليست مجرد تغيير في الصورة
لا يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع من أجل مشاهدة مشهد سياسي جديد فحسب، بل من أجل اختيار من يراه قادرًا على تدبير الشأن العام، والدفاع عن مصالحه، وتنفيذ برنامج يستجيب لانتظاراته.
والانتخابات، في جوهرها، ليست وعدًا بأن تتغير جميع الوجوه أو أن تنقلب السياسات رأسًا على عقب في كل استحقاق. فقد تقتضي المصلحة العامة استمرار مسؤول راكم تجربة، وقد تفرض نتائج الانتخابات والتحالفات السياسية الاحتفاظ ببعض الاختيارات أو مراجعتها. لكن ذلك كله ينبغي أن يقترن بوضوح في البرامج، وبقدرة على تفسير القرارات، وبمساءلة سياسية عن النتائج.
المشكلة تبدأ عندما يصبح التغيير عنوانًا كبيرًا، بينما يظل المواطن عاجزًا عن تحديد ما الذي تغير بالفعل في أولويات الحكومة أو أساليب عملها.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة يريد إجراءات تخفف الضغط على ميزانيته. والشاب الباحث عن العمل يريد فرصًا حقيقية، لا مجرد أرقام عامة عن النمو والاستثمار. والأسرة التي تنتظر خدمة صحية جيدة تريد أن ترى أثر السياسات في المستشفى والمركز الصحي. أما التلميذ والطالب، فيحتاجان إلى تعليم يفتح أمامهما أبواب المستقبل.
لهذا، فإن السؤال عن جدوى الانتخابات ليس تشكيكًا في المؤسسات، بل دعوة إلى جعل التنافس السياسي أكثر ارتباطًا بالنتائج، حتى لا تتحول المشاركة الانتخابية إلى موعد يتجدد بينما تتأخر الإجابات عن انتظارات المجتمع.
الأحزاب السياسية… أين يتوقف التجديد ويبدأ التكرار؟
لا يمكن فصل النقاش حول الحكومة عن وضع الأحزاب التي تقدم المرشحين والبرامج وتشارك في تشكيل الأغلبية والمعارضة. فالأحزاب ليست مجرد قنوات للوصول إلى المناصب، وإنما يفترض أن تكون فضاءات لتكوين القيادات، وإنتاج الأفكار، وإعداد البدائل، واستقطاب الكفاءات.
لكن تكرار الوجوه في المشهد العام يطرح سؤالًا حول قدرة التنظيمات الحزبية على توسيع دائرة الاختيار، وتجديد أساليب العمل، وإتاحة الفرصة أمام طاقات جديدة.
ولا يعني ذلك أن الاستمرار في المسؤولية دليل على الفشل، أو أن كل وجه جديد يحمل بالضرورة حلًا أفضل. فالكفاءة لا ترتبط بالعمر وحده، والخبرة قد تكون عنصرًا مهمًا في إنجاح السياسات العمومية. غير أن الخبرة نفسها تحتاج إلى تقييم، كما أن التجديد ينبغي أن يكون ممارسة مؤسساتية منتظمة، لا مجرد شعار يُستحضر عند كل استحقاق.
إن الحزب القوي ليس الذي يحتفظ بالوجوه نفسها إلى أجل غير محدد، ولا الذي يغير قياداته باستمرار دون رؤية، بل الذي يستطيع الجمع بين الخبرة والابتكار، وبين الاستقرار الداخلي والقدرة على إنتاج بدائل مقنعة.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى حضور الديمقراطية الداخلية، وشفافية اختيار المرشحين، ومعايير إسناد المسؤوليات، وقدرة الأحزاب على فتح المجال أمام الكفاءات التي لا تجد دائمًا طريقًا واضحًا إلى مواقع القرار.
هل يفتقر المغرب إلى الكفاءات؟
يصعب اختزال التحدي المغربي في غياب الكفاءات. فالبلاد تتوفر على أطر في الإدارة والجامعة والاقتصاد والهندسة والطب والبحث العلمي، إلى جانب خبرات مغربية راكمت تجارب في الخارج، ويمكن أن تسهم في تطوير السياسات العمومية.
لكن وجود الكفاءة لا يعني تلقائيًا وصولها إلى مواقع المسؤولية. فهناك فرق بين توفر الخبرات في المجتمع وبين وجود آليات فعالة لاكتشافها، وتقييمها، واستقطابها، ومنحها الفرصة للمساهمة في تدبير الشأن العام.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تتقدم الكفاءات بناءً على مؤهلاتها وقدرتها على الإنجاز، أم أن الاعتبارات الحزبية والسياسية قد تجعل الطريق إلى المسؤولية أضيق مما ينبغي؟
هذا السؤال لا يتضمن اتهامًا لحزب أو مسؤول بعينه، بل يتعلق بجودة المؤسسات وآليات الاختيار. فالمصلحة العامة تقتضي أن تكون معايير الاستحقاق والخبرة والنزاهة والقدرة على تحقيق النتائج عناصر أساسية في إسناد المسؤوليات.
كما أن إشراك الكفاءات المغربية بالخارج، والاستفادة من تجاربها، يمكن أن يوسع دائرة الخيارات المتاحة أمام البلاد، شريطة اعتماد معايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص والقدرة على خدمة المصلحة العامة.
إن الكفاءة التي لا تجد فرصة للمساهمة تمثل إمكانًا غير مستثمر، والتجديد الذي لا يستند إلى التأهيل قد يتحول إلى تغيير شكلي لا يحقق القيمة المضافة المنتظرة.
استمرارية الوزارات الحساسة… أين تنتهي الخبرة ويبدأ سؤال التجديد؟
يثير استمرار بعض المسؤولين في قطاعات استراتيجية نقاشًا حول العلاقة بين استقرار الدولة وتداول المسؤوليات. فمجالات مثل الداخلية والخارجية والعدل والشؤون الدينية تتطلب معرفة بالملفات، وتراكمًا مؤسساتيًا، وقدرة على التعامل مع قضايا معقدة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار استمرار المسؤول في منصبه أمرًا سلبيًا في حد ذاته. فقد تكون الاستمرارية خيارًا يخدم تنفيذ السياسات، وقد يكون التغيير مناسبًا عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: ما المعايير التي تحكم الاختيار بين الاستمرار والتغيير؟ وكيف يمكن تقييم نتائج المسؤوليات المختلفة؟ وما الضمانات التي تجعل التجديد ممكنًا متى ظهرت الحاجة إليه؟
أما الجزم بوجود أسباب خفية أو معادلات مغلقة وراء استمرار أسماء معينة، فلا يصح دون أدلة موثوقة. والأجدى هو مناقشة الوقائع المعلنة، والاختصاصات الدستورية، والنتائج المسجلة، والمعايير التي ينبغي أن تؤطر تدبير الشأن العام.
فاستقرار المؤسسات لا يتعارض مع تجديد المسؤولين، كما أن تداول المسؤولية لا يعني التخلي عن الخبرة. والتحدي الحقيقي هو بناء ممارسة مؤسساتية تستطيع الجمع بين الأمرين، دون تحويل الاستمرارية إلى غاية في حد ذاتها، أو التغيير إلى هدف منفصل عن المصلحة العامة.
البراق السياسي وركاب الدرجة فوق الأولى
يمكن استعارة صورة البراق، رمز السرعة والتحديث، للتعبير عن مفارقة تستحق التأمل في التجربة التنموية المغربية.
فالمغرب يطمح إلى تعزيز بنيته التحتية، وتطوير اقتصاده، وتوسيع استثماراته، والاستعداد لاستحقاقات دولية كبرى. وهذه أهداف يمكن أن تفتح فرصًا مهمة أمام البلاد. غير أن نجاحها ينبغي أن يقاس أيضًا بمدى انعكاسها على ظروف العيش، وجودة الخدمات، وفرص الشغل، والعدالة المجالية والاجتماعية.
ومن هنا تكتسب عبارة «ركاب الدرجة فوق الأولى» دلالتها الساخرة: إنها صورة عن تفاوت إحساس المواطنين بثمار التنمية، وليست حكمًا على أشخاص بعينهم أو اتهامًا لهم بالاستفادة غير المشروعة.
فقد يرى البعض التقدم في المشاريع الكبرى والمؤشرات الاقتصادية، بينما ينتظر آخرون أن يلمسوه في أجورهم، وفي المدارس والمستشفيات، وفي قدرتهم على تحمل تكاليف الحياة.
ولا تناقض بين الاعتراف بما يحققه المغرب من مشاريع وبين المطالبة بتحسين الخدمات الاجتماعية. بل إن قيمة الإنجازات الكبرى تزداد عندما تتكامل مع سياسات تقلص الفوارق وتوسع فرص الاستفادة منها.
أما مفهوم «الاستثناء المغربي»، فإن قيمته لا تتحدد بما يحمله من رمزية أو بما يثيره من اعتزاز، وإنما أيضًا بقدرة المؤسسات على مواجهة التحديات، وتصحيح الاختلالات، والاستجابة لانتظارات المواطنين.
الحكومة الجديدة أمام امتحان النتائج
لا يمكن إصدار حكم نهائي على الحكومة الجديدة قبل أن تتضح أولويات برنامجها، وتبدأ في تنفيذ التزاماتها، وتتوفر معطيات تسمح بتقييم أدائها. ومن غير المنصف افتراض فشلها قبل انطلاق عملها، كما لا يكفي إعلان تشكيلها للحكم بنجاحها.
لكن من حق المواطنين أن يطالبوا منذ البداية بأجوبة واضحة: ما الأهداف التي ستلتزم الحكومة بتحقيقها؟ ما الآجال المحددة؟ كيف ستقاس النتائج؟ وما الآليات التي ستتيح للبرلمان والرأي العام متابعة التنفيذ؟
إن الملفات الاجتماعية والاقتصادية لا تنتظر طويلًا. فالتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن، وتحسين الإدارة، تحتاج إلى سياسات قابلة للتنفيذ ومؤشرات تسمح بتحديد ما تحقق وما تعثر.
ومن هنا، فإن التحدي أمام رئيسة الحكومة والوزراء لا يتمثل في تقديم صورة مختلفة فحسب، بل في إثبات أن التشكيلة الجديدة قادرة على تطوير الأداء، وتحديد الأولويات، وتحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.
والحكم على ذلك ينبغي أن يستند إلى معطيات موثوقة ومقارنة منصفة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التقييمات القائمة على الانطباع وحده.
لماذا الانتخابات إذن؟
يعود السؤال إلى جوهر الديمقراطية التمثيلية: ما قيمة الانتخابات إذا لم يشعر المواطن بأن اختياره يساهم في تحديد السياسات والأولويات؟
لا تكمن الإجابة في المطالبة بتغيير جميع المسؤولين عند كل استحقاق، بل في جعل الانتخابات فرصة حقيقية للتنافس بين البرامج، وفي تعزيز قدرة الأحزاب على تقديم بدائل واضحة، وفي ربط المسؤولية السياسية بنتائج قابلة للتقييم.
فقد تتغير الحكومة مع استمرار بعض الوزراء، وقد تتغير السياسات مع بقاء بعض الأسماء، كما قد تتبدل الوجوه دون أن يتحقق أي تحول ملموس. لذلك، فإن المعيار الحاسم ليس هو عدد المغادرين والعائدين، وإنما مضمون الاختيارات الجديدة ومدى انعكاسها على الواقع.
وعلى الأحزاب أن تقدم للمواطنين أسبابًا مقنعة لمنحها الثقة، وعلى الحكومة أن توضح ما ستفعله بصورة مختلفة، وعلى المؤسسات المنتخبة أن تمارس الرقابة والمساءلة، وعلى الإعلام أن يواصل طرح الأسئلة والتحقق من المعطيات.
فالوزارة مسؤولية وليست امتيازًا، والمنصب تكليف وليس ملكية، والانتخابات ليست مجرد موعد لتجديد المشهد، بل فرصة لتجديد الثقة على أساس البرامج والنتائج.
الخلاصة: لا يكفي أن تتغير التشكيلة… المطلوب أن يشعر المواطن بالتغيير
يحتاج المغرب إلى استقرار مؤسساته، وإلى خبرة مسؤوليه، لكنه يحتاج أيضًا إلى تجديد النخب، وتطوير الحياة الحزبية، وفتح المجال أمام الكفاءات، وتعزيز ثقافة تقييم الأداء والمساءلة.
ولا ينبغي أن يكون النقاش حول الحكومة الجديدة محاكمة للأسماء أو تشكيكًا في النيات، بل فرصة لطرح أسئلة جوهرية حول كيفية تدبير المسؤولية العامة، ومعايير اختيار المسؤولين، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لحاجات المجتمع.
فإذا نجحت الحكومة في تحقيق نتائج ملموسة، فإن الاستمرارية في بعض المناصب لن تمنع الاعتراف بما تحقق. وإذا لم تحقق الأهداف المنتظرة، فمن حق الرأي العام أن يطالب بالتفسير والتصحيح والمساءلة وفق القواعد الدستورية والمؤسساتية.
أما الانتخابات، فلا تستمد قيمتها من عدد الوجوه التي تتغير، بل من قدرتها على جعل الاختيارات السياسية قابلة للمنافسة والتقييم والمحاسبة.
إن السؤال الأهم ليس فقط: من بقي في الحكومة ومن غادرها؟ بل: ماذا سيتغير في حياة المغاربة، وكيف سيعرف المواطن أن صوته أحدث فرقًا؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي حكومة جديدة، وهو أيضًا المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به حيوية الأحزاب، وفعالية المؤسسات، ومعنى المسؤولية في الحياة العامة.
