المغرب: حين تتحول الانتخابات إلى «شجرة عائلة»… هل أصبح البرلمان فضاءً لإعادة إنتاج النخب نفسها؟

الوطن24/ الرباط
من تجليات ما يمكن تسميته، على سبيل السخرية السياسية، بـ«الاستثناء المغربي» في موسم الانتخابات، بروز ظاهرة التدافع العائلي نحو المقاعد الانتخابية: فلان وزوجته، فلان وابنه، فلان وابنته، أو أفراد آخرون من العائلة نفسها.
وبذلك يبدو المشهد، في بعض الحالات، وكأن التمثيل السياسي للمجتمع يمكن أن يبدأ من داخل الأسرة قبل أن يصل إلى المجتمع بأسره!
قد تكون هذه الظاهرة في حد ذاتها مشروعة من الناحية القانونية، فصلة القرابة لا تمنع المواطن من ممارسة حقه في الترشح متى استوفى الشروط القانونية. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق لأفراد الأسرة الواحدة الترشح؟ بل: لماذا أصبحت الروابط العائلية حاضرة بهذا الشكل في إعادة إنتاج الحضور السياسي؟ وهل نحن أمام تنافس طبيعي للكفاءات، أم أمام نمط من إعادة تدوير النخب والأسماء نفسها؟
ولو كانت هذه الصيغة من التدافع العائلي تنتج لنا، في المقابل، كفاءات سياسية حقيقية وقيادات حزبية ذات تجربة وامتداد، ولها باع وصيت في صناعة الأفكار وصياغة المشاريع وتركيب المواقف السياسية، لكان الأمر قابلاً للنقاش من زاوية مختلفة تماماً.
فالمشكلة ليست في أن يكون السياسي ابن سياسي، أو أن تكون الزوجة إلى جانب زوجها في العمل العام؛ وإنما في أن تتحول السياسة إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج الأشخاص والعائلات، بينما تظل الكفاءات الجديدة والأصوات المختلفة خارج دائرة التأثير الحقيقي.
وهنا يبرز السؤال الأكبر: ماذا أنتجت التجربة السياسية والحزبية المغربية خلال السنوات الأخيرة؟
لقد كان يفترض أن تكون الأحزاب مدارس لإنتاج القيادات والأفكار، ومختبرات لصناعة البدائل، ومنصات لاحتضان مختلف الآراء والمقاربات. غير أن المشهد السياسي، في كثير من الأحيان، يبدو عاجزاً عن إنتاج خطاب اجتماعي وسياسي قادر على استيعاب التحولات التي يعرفها المجتمع، وعلى تقديم أجوبة مقنعة للأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتتالية.
والأخطر من ذلك أن الخطاب السياسي يفقد جزءاً من قيمته عندما يصبح الحفاظ على مواقع القرار والامتيازات السياسية غاية في حد ذاتها، بدل أن يكون التداول على المسؤوليات وسيلة لتجديد النخب وإغناء المؤسسات وتوسيع دائرة الكفاءات.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأحزاب أو بعدد المرشحين أو بصناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بقدرة النظام السياسي والحزبي على تجديد النخب، وإنتاج الأفكار، وتداول المسؤوليات، وفتح المجال أمام الأصوات الجديدة والمختلفة.
ومن هنا فإن إقصاء الأصوات المنتقدة أو التضييق على بعض الأصوات الصحفية، أو تحويل النقاش حول الاختلالات العامة إلى مواجهات قضائية، يظل موضوعاً يستحق النقاش العمومي الهادئ، لأن الصحافة والانتقاد جزء أساسي من أي مجتمع يسعى إلى تصحيح أخطائه، لا إلى إخفائها.
إن وصف الواقع وانتقاد السياسات العمومية لا ينبغي أن يتحول إلى جريمة سياسية أو اجتماعية، كما أن ممارسة النقد لا ينبغي أن تعني حصانة من القانون. المطلوب هو تحقيق التوازن الذي يحمي الحقوق والحريات، وفي الوقت نفسه يحمي سمعة الأفراد والمؤسسات من الاتهامات غير المثبتة.
أما جوهر الإشكال، فيبقى في فقر التجربة السياسية عندما تعجز عن إنتاج بدائل حقيقية.
فحين تضعف الأحزاب في إنتاج القيادات والأفكار، يصبح من الطبيعي أن تظهر ظواهر من قبيل التخندق الحزبي، وإعادة تدوير الوجوه، والحضور العائلي المتكرر، وربما ما يصفه البعض بـ«التوريث السياسي».
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بفلان أو علان، ولا بزوجة هذا السياسي أو ابن ذاك، وإنما يصبح سؤالاً يهم مستقبل الديمقراطية نفسها:
هل نريد برلماناً يعكس تنوع المجتمع وكفاءاته وأفكاره، أم برلماناً يعيد إنتاج الخريطة نفسها بوجوه مختلفة وأسماء مألوفة؟
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى انتخابات تتغير فيها أسماء المرشحين، بل إلى تجديد حقيقي في الثقافة السياسية، وفي النخب، وفي الخطاب، وفي طرق صناعة القرار.
فالبرلمان ليس مجرد مقعد أو لقب أو وجاهة اجتماعية، والأحزاب ليست مجرد آلات انتخابية موسمية؛ بل هي مؤسسات يفترض أن تنتج السياسات والبدائل والقيادات القادرة على تجنيب البلاد الأزمات، لا أن تكتفي بإدارة الأزمات والمحافظة على مواقعها داخلها.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة المغرب السياسية لن تُقاس بعدد العائلات التي تمكنت من الوصول إلى البرلمان، وإنما بعدد الكفاءات الجديدة التي استطاعت أن تصل إليه، وبقدرتها على تقديم شيء مختلف للمغاربة.
فالمشكلة ليست أن يترشح الأب والابن والزوجة… المشكلة أن يظل المجتمع يبحث عن وجوه جديدة، بينما تظل السياسة تعيد إنتاج الوجوه نفسها.
