المغرب: دموع السياسة حين يغيب الحساب ويُعاد إنتاج الفشل

في المغرب، لم يعد مستغرباً أن تتحول المحطات السياسية المفصلية إلى مشاهد عبثية تختلط فيها الرمزية بالفراغ، ويغيب فيها النقاش الجاد لصالح الاستعراض العاطفي. هذا ما جسّده المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي بدا أقرب إلى عرض مسرحي مُحكم الإخراج، لكنه فارغ من المضمون، أكثر منه محطة سياسية لمساءلة تجربة حكومية مثقلة بالإخفاقات والأسئلة المؤجلة.

فبدل أن يشكّل المؤتمر لحظة مكاشفة صريحة مع المغاربة حول حصيلة حكومية أرهقت القدرة الشرائية، ووسّعت هوة الفوارق، وراكمت الإحباط، اختار الحزب أن يُغرق القاعة في مناخ وجداني مصطنع، حيث تصدرت الدموع الواجهة، وغابت الأرقام، وتوارى النقاش الحقيقي خلف خطابات الولاء والتباكي على “مرحلة” لم تُقنع الشارع المغربي بقدر ما زادت منسوب الغضب وفقدان الثقة.

في بلد يرزح تحت ضغط غلاء المعيشة، وتآكل الأجور، وتراجع الخدمات العمومية، كان المنتظر من حزب يقود الحكومة أن يواجه المغاربة بالحقيقة، لا أن يلوذ بالعاطفة، وأن يتحمل مسؤوليته السياسية بدل تحويل السياسة إلى طقس بكائي لا يغيّر من الواقع شيئاً. غير أن ما حدث كشف بوضوح أن جزءاً من النخبة الحزبية ما زال ينظر إلى السلطة كامتياز، لا كتكليف، وإلى الدولة كغنيمة، لا كأمانة.

المفارقة الصادمة أن هذا السخاء العاطفي لم يظهر حين احتاجه المغاربة فعلاً. لم نرَ هذه الدموع في أعقاب زلزال الحوز، ولا خلال فيضانات المدن المهمشة، ولا أمام صفوف العاطلين، ولا عند أبواب المستشفيات العمومية. هناك، كان الصمت سيد الموقف، وكانت البلاغات الباردة بديلاً عن الإحساس الحقيقي بمعاناة الناس.

والسؤال الذي يفرض نفسه في مؤتمر غاب عنه كل ما يمتّ لتقاليد السياسة الحزبية بصلة، هو: ما مصير تلك الجموع التي حضرت فقط لاقتسام كعكة السلطة؟ أولئك القادمون في أغلبهم من عالم المال والأعمال، الذين تسيد بعضهم الوزارات، واحتل آخرون الدواوين، وتسلق جلّهم مواقع القرار. كثيرون عبروا، في ظرف وجيز، من حافة الفقر إلى ضفاف الثراء، بينما اتسعت دائرة الفقر، وفقد المغاربة طعم الحياة ولذة الأمان.

فعن أي “منجز” جميل سيذكر الشعب المغربي هذا الحزب، الذي لم يترك تشريعاً مثيراً للجدل ولا ممارسة صادمة إلا وكان طرفاً فيها، عن سبق إصرار وترصّد سياسي؟ أهكذا تُنسج السياسة في المغرب: افعل ما تشاء، ثم غادر، ولا أحد يُحاسب على ما ارتُكب في حق الوطن والمواطن؟

لقد حطّم هذا المؤتمر كل الأرقام، ليس في الديمقراطية الداخلية، بل في سيناريوهات تدوير الزوايا، وإعادة توزيع الأدوار، وإسناد المسؤوليات خارج أي منطق ديمقراطي معهود. كل شيء يُطبخ في الكواليس، وكل الأسماء تُحضَّر سلفاً، في سيرك سياسي لا يتقن سوى دور “الكومبارس”، لتستمر المسرحية الميلودرامية على خشبة عامة… بلا جمهور.

وهنا يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: هل هذا هو الحزب الذي يتم تحضيره لولاية ثانية؟ حزب جرى تحميل رئيسه السابق وحده كل فواجع المغرب، وكأن تغيير الاسم كافٍ لغسل المسؤولية السياسية؟
ها أنت أيها الشعب المغربي، قيل لك إن مطلبك “أخنوش ارحل” قد تمّت الاستجابة له في لمح البصر، لكن الحزب بكل هياكله، ووزرائه، وبرلمانييه، ورؤساء جماعاته، وغرفه، ومديرياته، ما زال جاثماً على أنفاسك في القرى والمدن، يغيّر الوجوه ويُزيح الأقنعة كلما ارتفع صوت الاحتجاج.

المتهم دائماً جاهز، والتهمة ثابتة، والحكم مُعدّ سلفاً، لكن الواقع لا يتغير. أولئك الذين جاؤوا بأخنوش ثم غادروا به، كما فعلوا بمن قبله ومن سيأتي بعده، هم أنفسهم العصابة السياسية الجاثمة خلف الستار، تُدير لعبة الدمى بإحكام، وتُتقن فن الهروب من المحاسبة.

في المغرب، لم يعد المواطن في حاجة إلى دموع، ولا إلى مسرحيات حزبية مستهلكة. ما يحتاجه هو سياسة تُحاسَب، وسلطة تُراقَب، وأحزاب تُبنى على البرامج لا على الحافلات المكيّفة. لأن الدموع لا تبني وطناً، ولا تُنقذ حزباً، ولا تمحو ذاكرة شعب أدرك أخيراً أن الأزمة ليست في الأشخاص… بل في المنظومة.