هل ربح محامو المغرب معركة الاحتجاج وخسروا معركة الرأي العام أمام وهبي؟ وأين يكمن الخلل؟

لا تخطئ العين أن الاحتجاجات الأخيرة لجمعية هيئات المحامين بالمغرب كانت احتجاجات قوية بكل المقاييس، وأبانت عن استجابة واسعة لخطوة الإضراب بشكل غير مسبوق في تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب. فقد أربك الإضراب سير الجلسات بعدد كبير من محاكم المملكة، إلى درجة أن بعض الهيئات القضائية اضطرت إلى تبرير تأخير البت في الدعاوى بعبارة صريحة: “إضراب المحامين”، كما حدث بمحكمة الاستئناف بأكادير، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي خلفته هذه الخطوة التصعيدية.

كما كان النفس الطويل حاضراً بقوة لدى محامي المغرب، حيث نجحوا في تنظيم وقفتين وطنيتين في أقل من نصف شهر، شارك فيهما محامون من مختلف مدن المملكة. وكانت وقفة الجمعة 6 فبراير الأكثر زخماً، حين امتلأت جنبات شارع محمد الخامس قبالة البرلمان بالرباط بحشود كبيرة، في رسالة واضحة موجهة إلى وزير العدل والحكومة مفادها أن الجسم المهني موحد ومستعد للاستمرار.

وإذا كانت تجارب سابقة قد شهدت بروز أصوات من داخل صفوف المحامين تشكك في جدوى الإضراب، فإن هذه المحطة عرفت انسجاماً لافتاً، ولم يُسجل سوى بعض التحفظات المحدودة التي عبر عنها محامون على مواقع التواصل الاجتماعي وفي فضاءات مغلقة، عبّروا فيها عن تخوفهم من تأثير الإضراب على وضعهم المهني وعلاقتهم بالمتقاضين داخل المغرب، دون أن يصل ذلك إلى حد التشكيك في مشروعية المعركة.

ورغم هذا النجاح التنظيمي والاستمرارية التي تجاوزت شهراً كاملاً، وبقاء هيئات المحامين بالمغرب متضامنة ومنسجمة، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد، وهي معركة الرأي العام. فالمزاج العام، كما تعكسه منصات التواصل الاجتماعي، لم يمِل بشكل واضح إلى صف المحامين، بل على العكس من ذلك، طغت خطابات الدعم والإسناد لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، إلى جانب تداول قصص وتجارب سلبية مع بعض المحامين، يتم توظيفها غالباً بمنطق التعميم غير العادل، بما يسيء إلى المهنة في المغرب ككل.

ولم يفلح خطاب هيئات المحامين، القائم على أن الهدف من الاحتجاج هو تحصين الدفاع وخدمة مصلحة المواطن المغربي المتقاضي، في اختراق هذا الجدار النفسي لدى فئات واسعة من الرأي العام، الذي ينظر إلى الإضراب من زاوية تعطيل مصالحه أكثر مما ينظر إليه كمعركة إصلاحية بعيدة المدى.

بل إن الإضراب نفسه تحول، مع مرور الوقت، إلى عبء إضافي على المحامين بالمغرب، إذ ساهم في تغذية صورة سلبية بدأت تنتشر بين الناس، وأصبح سلاحاً يرتد على حامليه بالسخط بدل التعاطف. وزادت بعض التصريحات، خاصة تلك الصادرة عن رئيس جمعية هيئات المحامين، من تعقيد الوضع، حين تم التطرق بشكل مباشر إلى فئات مهنية أخرى مثل كتاب الضبط، والتلميح إلى غلق باب ولوج مهنة المحاماة أمام القضاة وكتاب الضبط، وهو ما خلق توتراً غير محسوب وفتح جبهات جانبية لا تخدم معركة يفترض أنها كبرى ومصيرية.

وقد تنبه إلى خطورة هذا المنحى عدد من المحامين في المغرب، ممن دعوا إلى توحيد الخطاب وتفادي استعداء مكونات أساسية داخل منظومة العدالة، لما لذلك من أثر سلبي على صورة المحاماة وعلى فرص كسب التعاطف المجتمعي.

كل ذلك يؤكد أن معركة محامي المغرب ليست فقط معركة مطالب مهنية وتشريعية، بل هي أيضاً معركة تواصل وصورة ورأي عام، تحتاج إلى نفس أطول، وحكمة أكبر، وتبصر أدق، داخل قطاع معقد ومتشابك، حيث لا يكفي الضغط في الشارع إذا لم يواكبه إقناع حقيقي للمجتمع بعدالة القضية وجدواها.