بين الطموح والواقعية: هل المغرب مرشح فعلاً للفوز بكأس العالم؟

لم يعد الحديث عن المنتخب المغربي بعد مونديال قطر 2022 مجرد انفعال جماهيري أو حماس عابر، بل تحول إلى نقاش كروي عالمي جاد حول صعود “أسود الأطلس” إلى مصاف الكبار. ذلك الإنجاز التاريخي بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم لم يكن محطة عابرة في الذاكرة، بل لحظة غيّرت موقع المغرب في خريطة كرة القدم الدولية، ورسّخت فكرة أن ما تحقق كان نتيجة مشروع كروي يتطور بثبات، لا مجرد صدفة عابرة.

ومع توسّع بطولة كأس العالم إلى 48 منتخباً، اتسعت معه دائرة التوقعات، وبدأت أصوات كثيرة تضع المنتخب المغربي ضمن قائمة المرشحين للذهاب بعيداً، بل وذهب بعضها إلى حد الحديث عن إمكانية التتويج باللقب. هذا الطموح في حد ذاته مشروع، بل ومفهوم أيضاً، لأنه يستند إلى واقع جديد تعيشه الكرة المغربية على مستوى جودة اللاعبين، والاستقرار الفني، وتطور البنية التحتية، والانفتاح على أعلى مستويات المنافسة الأوروبية.

يمتلك المنتخب المغربي اليوم تركيبة بشرية لافتة، تجمع بين لاعبين ذوي خبرة كبيرة في الدوريات الأوروبية الكبرى، مثل أشرف حكيمي، ياسين بونو، سفيان أمرابط، نايف أكرد، عز الدين أوناحي، عبد الصمد الزلزولي، ونصير مزراوي، إضافة إلى أسماء صاعدة ووازنة من بينها إبراهيم دياز، الذي منح إضافة تقنية وهجومية مهمة، إلى جانب جيل شاب يواصل التطور واكتساب الخبرة في بيئات تنافسية عالية المستوى. هذا المزج بين الخبرة والطموح يمنح المنتخب توازناً كان يفتقده في مراحل سابقة، ويعزز من قدرته على المنافسة في البطولات الكبرى.

لكن، رغم هذا التطور الواضح، تبقى الحقيقة الثابتة أن كأس العالم ليست بطولة تُحسم على الورق أو بالترشيحات. فهي مسابقة قاسية لا تعترف بالأسماء ولا بتاريخ الإنجازات القريبة، بل تُحسم بتفاصيل دقيقة: الجاهزية البدنية، التركيز الذهني، إدارة لحظات الضغط، فعالية دكة البدلاء، وأحياناً الحظ في القرعة ومسار المواجهات. والتاريخ الكروي مليء بأمثلة لمنتخبات مرشحة بقوة سقطت مبكراً، وأخرى صنعت المفاجأة عندما التقت الجاهزية مع اللحظة المناسبة.

من هنا، تبدو الواقعية ضرورة لا تقل أهمية عن الطموح. الهدف المنطقي للمنتخب المغربي في المرحلة الحالية هو تثبيت حضوره أولاً عبر تجاوز دور المجموعات بثقة واستقرار، ثم التعامل مع كل مباراة في الأدوار الإقصائية كمعركة مستقلة تحتاج إلى انضباط تكتيكي وذهني عالٍ. الوصول مجدداً إلى ربع النهائي، أو تجاوز ذلك، سيكون دليلاً إضافياً على أن إنجاز 2022 لم يكن استثناءً، بل بداية لمسار تنافسي مستمر.

أما الحديث عن التتويج باللقب، فيبقى مرتبطاً بعوامل أكبر من مجرد جودة الأسماء. فالفوز بكأس العالم يتطلب استمرارية في الأداء، وقدرة على تجاوز مدارس كروية مختلفة بأساليب لعب متباينة، إضافة إلى نضج تكتيكي عميق، وخبرة متراكمة في إدارة الضغط على مدار سبع مباريات متتالية في أعلى مستوى من المنافسة.

الأهم من كل ذلك، أن قوة المنتخب المغربي اليوم لا تختزل فقط في الأسماء اللامعة، بل في “عقلية المجموعة” التي أصبحت تميزه: الانضباط، الروح القتالية، التواضع، والعمل وفق فلسفة واضحة تقوم على مبدأ “مباراة بمباراة”. هذه العقلية قد تكون العنصر الحاسم عندما تتحول الطموحات إلى اختبارات حقيقية على أرض الملعب.

في النهاية، يظل من حق الجماهير المغربية أن تحلم، ومن حق الإعلام أن يرفع سقف التوقعات، لكن كرة القدم تبقى لعبة تُحسم داخل المستطيل الأخضر خلال تسعين دقيقة فقط. وبين الحلم والواقع، تبقى الحقيقة الأهم أن الألقاب لا تُمنح بالتوقعات، بل تُنتزع بالصبر، والانضباط، والقدرة على كتابة اللحظة المناسبة في التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *