المغرب.. هروب جماعي من مصانع الكابلاج بطنجة يفضح واقع التشغيل.. فمن يحمي العمال ومن يحاسب المستثمرين؟

الوطن24/ طنجة
رغم الأرقام الرسمية التي تتحدث عن نجاح المغرب في استقطاب كبريات شركات صناعة السيارات ومكونات الكابلاج، وتحويل طنجة إلى واحدة من أكبر المنصات الصناعية بإفريقيا، فإن واقعاً آخر بدأ يطفو على السطح، عنوانه المغادرة الجماعية للعمال والعاملات، في مشهد يطرح علامات استفهام كبيرة حول جودة مناصب الشغل التي يتم الترويج لها.
ففي الأسابيع الأخيرة، عرفت شركات الكابلاج بالمنطقة الصناعية بطنجة موجة غير مسبوقة من مغادرة العمال لخطوط الإنتاج، وسط شهادات متطابقة تتحدث عن ظروف عمل شاقة، وساعات طويلة، وضغط متواصل، مقابل أجور يعتبرها كثير من المستخدمين غير قادرة على مجاراة الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، خاصة بمدينة أصبحت من بين أغلى المدن المغربية.

ولم يعد هذا الوضع مجرد حديث داخل المصانع أو على منصات التواصل الاجتماعي، بل وصل إلى قبة البرلمان، بعدما وجهت النائبة البرلمانية عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سلوى البردعي، سؤالاً كتابياً إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، محذرة مما وصفته بتنامي ظاهرة “الهروب الجماعي” لليد العاملة من مصانع الكابلاج وصناعة مكونات السيارات بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وأكدت البرلمانية أن الارتفاع الملحوظ في عمليات التوظيف داخل هذه الشركات لا يعكس بالضرورة خلق فرص شغل جديدة، بل أصبح، في جانب كبير منه، محاولة لتعويض العمال الذين يغادرون بشكل متواصل، وهو ما يكشف وجود خلل حقيقي في استقرار اليد العاملة داخل أحد أهم القطاعات الصناعية بالمملكة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن أجوراً لا تتجاوز في كثير من الحالات 4000 درهم شهرياً، لم تعد تكفي لتغطية مصاريف السكن والنقل ومتطلبات الحياة اليومية بمدينة طنجة، في وقت يشتكي فيه عدد من العمال من طول ساعات العمل، وبعد مقرات الإنتاج عن أماكن سكناهم، وما يرافق ذلك من إرهاق بدني ونفسي يدفع الكثيرين إلى ترك العمل رغم الحاجة إليه.
لكن ما يثير القلق أكثر هو أن هذه الظاهرة تأتي في وقت يواصل فيه المغرب استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة في قطاع السيارات، الذي يُعد قاطرة للصادرات الوطنية وأحد أعمدة الاقتصاد المغربي. غير أن نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات، بل أيضاً بمدى احترام حقوق العاملات والعمال وضمان ظروف عمل تحفظ كرامتهم وتوفر لهم الاستقرار المهني والاجتماعي.

وأمام هذا الوضع، تبرز أسئلة محرجة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية:
- كيف يمكن الحديث عن نجاح النموذج الصناعي المغربي في الوقت الذي يغادر فيه العمال المصانع بأعداد متزايدة؟
- هل تقوم مفتشيات الشغل بدورها في مراقبة ظروف العمل داخل مصانع الكابلاج وصناعة السيارات؟
- هل أصبحت الأجور الحالية عاجزة عن مواكبة غلاء المعيشة بمدينة طنجة؟
- ما مسؤولية الشركات المستفيدة من الامتيازات الاستثمارية في تحسين أوضاع العاملات والعمال؟
- وأين هو الحوار الاجتماعي داخل هذا القطاع الذي يمثل واجهة الصناعة المغربية أمام المستثمرين الدوليين؟
إن الحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية لا ينبغي أن يكون على حساب العنصر البشري، الذي يبقى أساس أي نجاح اقتصادي. فاستقرار اليد العاملة وتحسين ظروف الشغل والأجور لم يعدا مطلباً اجتماعياً فقط، بل أصبحا ضرورة اقتصادية لضمان استدامة النمو الصناعي وتعزيز تنافسية المملكة في سوق صناعة السيارات العالمية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل ستتحرك الحكومة والجهات الوصية لاحتواء هذا النزيف قبل أن يتحول إلى أزمة حقيقية تهدد أحد أهم القطاعات الصناعية بالمغرب، أم أن صرخات العمال ستظل حبيسة جدران المصانع؟
