المغــرب: هل هي نهاية الأحرار؟

لم يعد ملف البرلماني السابق ورئيس جماعة أولاد الطيب سابقاً، رشيد الفايق، مجرد قضية قضائية مرتبطة بشخص يقضي عقوبة سجنية.

ما جرى خلال الساعات الأخيرة نقل الملف إلى مستوى آخر أكثر حساسية، بعدما خرج دفاع الفايق إلى الرأي العام بمعطيات جديدة قال إنها وردت على لسان موكله، وتحدث عن اجتماعات سياسية، وأسماء قيادية، ومبالغ مالية ضخمة، وتسجيلات صوتية وصور، من بينها رواية تتحدث عن سبعة ملايير سنتيم قيل إنها كانت داخل سيارة من نوع “فولفو”.

والأهم من كل ذلك أن النيابة العامة بفاس أعلنت رسمياً أنها ستواصل البحث في الشكاية، بعدما اطلعت من خلال ما ورد في الندوة الصحفية لدفاع الفايق على تفاصيل ومعطيات لم تكن واردة في الشكاية الأصلية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

رشيد الفايق، البرلماني السابق عن حزب التجمع الوطني للأحرار والرئيس السابق لجماعة أولاد الطيب بفاس، يقضي حالياً عقوبة سجنية على خلفية ملف مرتبط بجرائم مالية والتعمير.

ففي يونيو 2023، قضت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس برفع العقوبة في حقه إلى ثماني سنوات سجناً نافذاً وغرامة مالية قدرها مليون درهم.

وتضمن الملف اتهامات من قبيل الارتشاء، واختلاس وتبديد أموال عمومية، وأخذ فائدة بصفة غير مشروعة، والتزوير، واستغلال النفوذ، والنصب، وتسليم شواهد إدارية بغير حق، إضافة إلى وقائع مرتبطة بالتعمير وإحداث مجموعات سكنية.

كما صدر في حقه حكم منفصل بخمس سنوات سجناً نافذاً في قضية هتك عرض قاصر، وفق ما أوردته مصادر إعلامية نقلاً عن الحكم القضائي.

أي أن الرجل ليس أمام ملف قضائي واحد.

لكن الجديد اليوم ليس الحكم الصادر في حقه، وإنما ما يقوله دفاعه عن مرحلة الانتخابات السابقة، وما إذا كانت هذه الرواية ستتحول إلى وقائع مثبتة أمام القضاء أم ستبقى مجرد ادعاءات تحتاج إلى الإثبات.

في 23 يونيو 2025، تقدم الفايق بواسطة دفاعه بشكاية تتضمن، بحسب بلاغ النيابة العامة، ادعاءات حول تعرضه للابتزاز والتهديد بالسجن خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021.

وتفاعلت النيابة العامة آنذاك مع الشكاية، وانتقل ممثل عنها إلى المؤسسة السجنية ثلاث مرات من أجل الاستماع إليه.

لكن، بحسب البلاغ الرسمي، لم يدل الفايق بتصريحاته في تلك الزيارات، لأسباب مرتبطة بوضعه الصحي، ثم بسبب إضرابه عن الطعام.

وفي 29 غشت 2025، تقرر حفظ الشكاية مؤقتاً لعدم تأكيد مضمونها وعدم تقديم عناصر إثبات تدعم الادعاءات الواردة فيها.

وفي يوليوز 2026، تقدم دفاعه بطلب لإخراج الشكاية من الحفظ، غير أن الطلب، وفق النيابة العامة، لم يتضمن في حينه عناصر جديدة كافية.

وهنا تغير المشهد.

خلال الندوة الصحفية، خرج المحامي محمد حاسي بمعطيات قال إنها نقلت إليه من موكله، وطرح رواية تتجاوز بكثير ما كان وارداً في الشكاية الأصلية.

من بين أخطر ما ورد في هذه الرواية الحديث عن اجتماع داخل مكتب بمجلس النواب، قال الدفاع إنه جمع رشيد الفايق بكل من رشيد الطالبي العلمي، ومصطفى بايتاس، ومحمد شوكي.

وبحسب الرواية التي نقلها المحامي عن موكله، طُلب من الفايق الانسحاب من رئاسة الجهة مع الاحتفاظ بمقعده البرلماني، فيما تحدث الدفاع عن مهلة قيل إنها حُددت في 48 ساعة لتقديم الاستقالة.

كما نُسب إلى الفايق، عبر دفاعه، أنه كان قد حصل على أكثر من ثلاثين ألف صوت.

لكن الأكثر إثارة هو ما قيل عن وجود تسجيلات صوتية يمكن، بحسب الدفاع، إخضاعها للخبرة التقنية والتحقق من الأصوات ومضمون المحادثات.

وهنا لا بد من التأكيد:

إذا كان اجتماع البرلمان قد أثار الأسئلة، فإن قصة السيارة هي التي رفعت حرارة الملف إلى أقصى درجة.

بحسب الرواية التي قدمها دفاع الفايق، فإن موكله تحدث عن سيارة من نوع فولفو رمادية اللون، نسب ملكيتها إلى محمد شوكي، وقال إنه عاين داخل صندوقها الخلفي رزم أوراق نقدية من فئة 200 درهم.

والأخطر أن الدفاع نقل عن موكله أن القيمة التي أُبلغ بها آنذاك كانت في حدود سبعة ملايير سنتيم.

وتحدث المحامي أيضاً عن توفر موكله، بحسب روايته، على صورة للسيارة تتضمن نوعها ولونها ولوحة ترقيمها.

لكن الفايق، وفق ما نُقل عن دفاعه، لم يقم بعدّ الأموال بنفسه، وإنما تحدث عن ما شاهده وما أُبلغ به بشأن قيمتها.

وهذه نقطة جوهرية يجب ألا تضيع وسط الضجيج الإعلامي:

ولم تتوقف رواية الدفاع عند هذا الحد.

فقد تحدث محمد حاسي أيضاً عن مبالغ أخرى، من بينها 800 مليون سنتيم و200 مليون سنتيم، وعن واقعة قال إن موكله كان طرفاً فيها، مشيراً إلى أن الفايق وضع بنفسه مبلغاً قدره 200 مليون سنتيم ضمن سياق الواقعة التي عرضها الدفاع.

كما تحدثت الرواية عن إعادة مبلغ قدره 100 مليون سنتيم، وبقاء مبلغ مماثل، مع مطالبة بفتح تحقيق قضائي بشأن هذه الوقائع.

ومرة أخرى، لا يتعلق الأمر هنا بحكم قضائي يثبت هذه الوقائع، وإنما بمعطيات قدمها الدفاع وقال إنها مستمدة من رواية موكله.

وهذا بالضبط ما يجعل البحث القضائي المرتقب مهماً.

هنا تكمن المفارقة الكبرى.

النيابة العامة لم تعلن مواصلة البحث لأن وسائل التواصل الاجتماعي تحدثت عن الملف.

ولم تعلن ذلك بسبب عناوين الصحف.

البلاغ الرسمي كان واضحاً: الندوة الصحفية جعلت النيابة العامة تطلع على تفاصيل جديدة مرتبطة بالشكاية، لم تكن واردة في مضمونها الأصلي، ولذلك أعلنت عزمها مواصلة البحث وترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء ما ستسفر عنه الإجراءات.

وهذه النقطة وحدها كافية لإعادة ترتيب كل الأسئلة.

ما هي هذه المعطيات الجديدة؟

هل يتعلق الأمر بمبالغ مالية؟

هل يتعلق الأمر بتسجيلات صوتية؟

هل توجد فعلاً صور للسيارة؟

هل يمكن تحديد صاحبها ومسارها ومكان وجودها في تلك الفترة؟

هل يمكن إخضاع التسجيلات للخبرة؟

هل توجد اتصالات هاتفية أو شهود يمكنهم تأكيد أو نفي ما ورد في الرواية؟

وهل كانت هناك فعلاً اجتماعات داخل مؤسسات عمومية مرتبطة بهذه الوقائع؟

القضية، إذا ثبتت عناصرها، لن تكون مجرد خلاف بين أشخاص.

لأن الحديث هنا، بحسب رواية الدفاع، يتعلق بانتخابات سنة 2021، أي بمرحلة سياسية حساسة، وبأموال ضخمة يُزعم أنها كانت ستستعمل في سياق انتخابي.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من رشيد الفايق.

هذه ليست اتهامات.

إنها أسئلة تفرض نفسها عندما توضع رواية الدفاع أمام مؤسسة قضائية أعلنت رسمياً أنها ستواصل البحث.

ومن أكثر العبارات إثارة التي نقلها الدفاع عن موكله، ما نسبه إلى رشيد الطالبي العلمي خلال الاجتماع المزعوم، من قبيل القول إن “كلنا في سراح مؤقت”.

الوطن24 لا تقدم هذه العبارة كحقيقة ثابتة، ولا تنسبها إلى صاحبها على أنها صدرت عنه فعلاً.

لكن إذا كانت هناك تسجيلات صوتية كما يقول الدفاع، فإن الأمر يصبح قابلاً للتحقق التقني والقضائي.

وهنا تحديداً يجب أن تتقدم الخبرة على التأويل، والدليل على الرواية، والقضاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل أدين فلان أم لم يدن؟

فهذا من اختصاص القضاء.

السؤال السياسي والإعلامي الأوسع هو:

وهل يمكن أن يتحول ملفه، الذي بدأ كقضية جرائم مالية وتعمير، إلى بوابة لفتح نقاش أكثر حساسية حول المال الانتخابي، والتحكم في الترشيحات، والنفوذ الحزبي، وطريقة صناعة الخرائط الانتخابية؟

وهل ما كشفه الدفاع مجرد رواية شخصية لرجل يوجد خلف القضبان، أم أن هناك وثائق وتسجيلات واتصالات يمكن أن تمنح هذه الرواية وزناً قضائياً؟

هنا فقط يمكن معرفة الحقيقة.

المهم في كل ما جرى أن النيابة العامة لم تصدر حكماً مسبقاً.

لم تقل إن رواية الفايق صحيحة.

ولم تقل إن الأموال موجودة.

ولم تدن أياً من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في تصريحات الدفاع.

بل أعلنت أنها ستواصل البحث على ضوء المعطيات الجديدة وما ستسفر عنه الإجراءات.

وهذا هو المسار الطبيعي في دولة المؤسسات:

لا أكثر ولا أقل.

اليوم، وبعد أن عاد الملف إلى الواجهة، أصبح السؤال أكبر من مجرد مصير رشيد الفايق.

هل توجد فعلاً سبعة ملايير سنتيم كما ورد في رواية الدفاع؟

هل كانت هناك تسجيلات؟

هل جرى فعلاً اجتماع داخل البرلمان بالأسماء التي ذكرها الدفاع؟

هل توجد صور واتصالات وشهود؟

هل تكفي هذه المعطيات لفتح مسارات قضائية جديدة؟

وهل ستكشف التحقيقات أن ما قيل أمام الصحافة مجرد رواية لا أساس لها، أم أن بعض ما قيل سيجد طريقه إلى محاضر رسمية وخبرات تقنية وأدلة قابلة للمناقشة أمام القضاء؟

والحقيقة، في مثل هذه الملفات، لا يصنعها المحامي ولا الصحفي ولا السياسي ولا مواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كان دفاع رشيد الفايق قد فتح الباب أمام معطيات لم تكن موجودة في الشكاية الأصلية، فإن النيابة العامة بفاس أعلنت أنها قررت مواصلة البحث.

والسؤال الآن:

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *