بين فرحة التأهل ومرارة الاعتقالات.. احتفالات الجالية المغربية في هولندا تتحول إلى مواجهة مع الشرطة

لم تكن فرحة آلاف المغاربة المقيمين في هولندا بتأهل المنتخب المغربي إلى الدور ثمن النهائي من كأس العالم 2026 مجرد احتفال بنتيجة رياضية، بل كانت تعبيرًا عن ارتباط عاطفي عميق بالوطن الأم، وعن شعور بالفخر يتجدد كلما حقق “أسود الأطلس” إنجازًا على الساحة الدولية. غير أن هذه الأجواء الاحتفالية لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما تحولت في مدينة لاهاي إلى مواجهات مع الشرطة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول كيفية إدارة الاحتفالات الجماهيرية في المجتمعات الأوروبية متعددة الثقافات.

وجاءت الاحتفالات عقب الفوز الدراماتيكي الذي حققه المنتخب المغربي على نظيره الهولندي بركلات الترجيح، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل (1-1)، في مباراة مثيرة حُسمت بركلة الترجيح الأخيرة التي سجلها إسماعيل صيباري، لاعب نادي بي إس في آيندهوفن الهولندي، ليقود المغرب إلى الدور ثمن النهائي حيث سيواجه منتخب كندا.

وفي حي سخيلدرسفايك بمدينة لاهاي، الذي يضم جالية مغربية كبيرة، خرج مئات المشجعين إلى الشوارع وهم يرفعون الأعلام المغربية ويرددون الهتافات، وسط أبواق السيارات وإطلاق المفرقعات، في مشهد عكس حجم الفرحة التاريخية بهذا الإنجاز.

لكن، وبعد نحو ساعة من الاحتفالات، تدخلت قوات مكافحة الشغب لتفريق التجمعات، مستخدمة مدافع المياه والهراوات، فيما نفذت الشرطة عمليات اعتقال طالت عددًا من الشبان. وأظهرت مشاهد ميدانية عناصر الأمن وهم يطاردون مجموعات من المحتفلين في شوارع الحي، بينما أفادت وكالة “فرانس برس” بأن نحو اثني عشر شخصًا تم توقيفهم خلال التدخل الأمني.

هذه الأحداث تعيد إلى الواجهة سؤالًا يتكرر مع كل مناسبة رياضية كبرى: كيف يمكن ضمان حق الجماهير في الاحتفال، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الأمن والنظام العام دون اللجوء إلى إجراءات قد تؤدي إلى مزيد من التوتر؟

لا خلاف على أن احترام القانون مسؤولية الجميع، وأن أي أعمال تخريب أو اعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة لا يمكن تبريرها. وفي المقابل، فإن إنفاذ القانون ينبغي أن يتم وفق مبادئ الضرورة والتناسب واحترام الحقوق الأساسية، مع التمييز بين من ارتكب أفعالًا يعاقب عليها القانون وبين الغالبية التي خرجت للاحتفال بصورة سلمية.

لقد أثبتت كرة القدم أنها لغة عالمية تجمع الشعوب أكثر مما تفرقها، كما أن الجالية المغربية في هولندا تمثل جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للبلاد. ومن هنا، فإن تعميم الأحكام على جالية بأكملها بسبب تصرفات فردية لا يخدم قيم التعايش، بل قد يرسخ صورًا نمطية ويؤثر سلبًا في جهود الاندماج التي بُنيت على مدى سنوات.

وفي هذا السياق، تبرز دعوات تطالب بالإفراج عن كل من لم تثبت بحقه مخالفات جنائية، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، باعتبارها من المبادئ الأساسية في دولة القانون، في مقابل مساءلة كل من يثبت تورطه في أعمال يعاقب عليها القانون، بعيدًا عن أي تمييز على أساس الأصل أو الانتماء.

إن الرياضة يجب أن تبقى جسرًا للتقارب بين الشعوب، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تغذية الانقسامات. فالمباريات تنتهي بصافرة الحكم، لكن قيم التسامح والاحترام المتبادل تبقى الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات الديمقراطية.

وفي النهاية، يبقى الإنجاز الذي حققه “أسود الأطلس” مصدر فخر لملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه، وسيكون من المؤسف أن تطغى صور المواجهات والاعتقالات على قصة نجاح رياضية كان يفترض أن تكون مناسبة للاحتفال، والحوار، وترسيخ روح الرياضة التي تجمع ولا تفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *