حينما يتحول النقد إلى هجاء: كتاب “سراق الله” نموذجا

الوطن24/ بقلم: نور الدين حاتمي
شن الكاتب المغربي “ادريس هاني” في كتابه “سراق الله الإسلام السياسي في المغرب” هجوما شديدا وقاسيا على الحركة الاسلامية في المغرب، وسعى، عبره ومن خلاله، إلى تعريتها من كل “فضيلة” تزعمها، ومن كل ورقة توت تتدثر بها. وادريس هاني ـ كما يعرف كل من قرأ له أو اطلع على بعض ما كتب ـ كاتب غزير الانتاج وكثير التأليف وإن كانت إصداراته، في الجملة، تفتقد إلى العمق وتفتقر إلى الجدة والموضوعية.
وإذا كانت إصداراته وكتاباته تفتقر، في الجملة، إلى العمق والموضوعية وهي مع ذلك، أي مع هذا القصور، لا تخلو من فوائد، خاصة تلك التي يعمل فيها على تقريب القارئ المغربي من الانتاجات المعرفية الصادرة عن الشيعة، فإن هذا الكتاب الذي بين أيدينا: “سراق الله” كتاب، نستطيع أن نقول عنه، وبكل صراحة ودون أن نبالغ، أن كاتبه لم يكن موفقا وهو يخطه ويدبجه، وأنه، أي الكاتب، قد أساء إلى نفسه، إذ كتبه بسرعة وعلى عجل. والحديث هنا ليس عن قيمة مضمونه ومحتواه، ولكنه يتعلق بطريقة ولغة صياغته.
لقد تسلح الكاتب هنا، أي في هذا الكتاب، بالجرأة الزائدة بل المفرطة، ووظف فيه، حتى المفردات التي يتم لوكها في الشوارع والأزقة ك “التشمكير”، وذكر فيه حتى المعلومات التي يتم تداولها في “الصالونات” والمقاهي، مع الحرص على الإبقاء عليها حبيسة تلك الأماكن وبين جدرانها وحيطانها، مراعاة للعلاقات الاجتماعية وحفاظا عليها.
إن قرار الكاتب النزول بالكتابة في تناوله لموضوع حساس كموضوع تاريخ الحركة الاسلامية، وخاصة الصفحات المجهولة منه أو المسكوت عنها منه، إلى المستوى الذي يبدو خلوا من التحفظ، يؤذن بأن صاحبه لا يمارس النقد ولا يقصده، ولا يعيد كتابة ذلك التاريخ المزعوم، بالمقاربة “الموضوعية” أو القريبة من “الموضوعية” كما يروج، وإنما يخوض معركة ويشن حربا، ويصفي حسابات عالقة بينه وبين تلك الحركة الإسلامية. وهو الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا في وضعه في سياقه الموضوعي والتاريخي، اي في سياق الصراع الدائم والمحتدم بين كل من جماعات “الرفض” الموالية لـ”الجمهورية المجوسية الفارسية” و “أهل السنة”، ولذلك ـ في تقديري ـ لا يمكن فهم هذا الكتاب جيدا إلا إذا اعتبرا امتدادا لهذا العداء واستمرارا له، والكتاب طبعا يفصح عن ذلك بشكل واضح، ولا يحتاج القارئ إلى الفطنة والذكاء لإدراك هذه “الحقيقة”.
لا يمكن وضع هذا الكتاب: “سراق الله” في خانة الكتب النقدية، أو التي تتقصد النقد بالمعنى المتداول له، آية ذلك أنه ذو محتوى هجائي زائد ومضمون قدحي مبالغ فيه. يبدو ذلك في عدد من المناسبات، وفي عدد من الإشارات، بدء من العنوان ذاته. إن عنوان الكتاب: “سراق الله” وحده علامة واضحة على كونه كتابا هجائيا، وليس له من صفة النقد إلا الدعوى، وإلا الزعم، واختيار الكاتب لهذا العنوان بالذات، وإصراره عليه، على الرغم من كونه ملتبسا ويلفه غير قليل من الغموض، علامة ثانية على أن الكاتب فعلا يشن حربا على الحركة الإسلامية.
صحيح، أن الكاتب سعى إلى محاولة رفع هذا الالتباس وهذا الغموض، وإزالتهما، وذلك من خلال الشروحات المستفيضة شيئا ما، ولكن هذه المحاولة لم تكن كافية ولم تسعفه في تحقيق غرضه، وبقي العنوان غير واضح، وغير صالح للتوظيف والاستثمار.
يقول الكاتب أن الذي حمله على الانخراط في الكتابة في الـتأريخ للحركة الإسلامية في المغرب وممارسة هذا النوع من النقد على هذا التأريخ “هو إرادة الإصلاح من الداخل” لأن الحركة الإسلامية كما قال “تنتحر على يد أبنائها” فهل صحيح أن إرادة “الإصلاح من الداخل” هي التي حملته على اجتراح هذا اللون من النقد؟ إن الذي يشرع في قراءة هذا الكتاب لا يقف على اية عبارة تدل على هذه النية الحسنة، ولا يظفر بأية مفردة تشير إلى هذه الرغبة الطيبة، بل يقف على العكس تماما مما ادعاه الكاتب وزعمه من إرادته “الإصلاح من الداخل”.
إن “إرادة الإصلاح من الداخل” هي الغائب الأكبر عن متن الكتاب، فاللغة السوقية والمبتذلة التي استعملها و توسل بها في كتابه “النقدي” هذا من مثل وصفه لمن يتحدث عنهم من الإسلاميين ب”البلداء” و “سراق الله” وأنهم “لا يتمتعون بأخلاقيات الاعتراف والامانة العلمية” وأنهم “نحلة التآمر وعصابة العدوان و شرذمة النميمة والوشاية والتبييت والكراهية” ووصفه المنتسبين إليهم ب”الحرافيش” وغيرها، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الكتاب ليس فقط إعلانا للحرب بل هو الحرب ذاتها، وليس محاولة للإصلاح من الداخل ـ كما يقول ـ و لكنه عمل هدام يقصد به صاحبه التقويض و التدمير.
يرفض الكاتب في عمله البحثي هذا، الأخذ عن المصادر التي كتبتها أقلام إسلامية أو تولت كتابتها أسماء ذات صلة بهم، أو مراكز ممولة من قبلهم, ونحن نتفق معه هنا لأن تلك المصادر مشكوك فيها وغير “موضوعية” لأنها تكتب التاريخ المتخيل، وليس التاريخ الحقيقي، التاريخ الذي كان، لكنه يعود في عدد من المحطات ليتحدث عن مصادر أخرى استقى منها معلوماته وأخباره وهي “إسلامية” أيضا، غير أن أسماءها “ممن عاصروا النشأة وكانوا جزءا من بعض كواليسها”، ليثور السؤال هنا عن الأسباب التي جعلته يرفض المصادر التي يكتبها هؤلاء ويقبل” شهادات” أولئك، اي ما هي المعايير التي اعتمد عليها في هذا الموضوع؟ يقول الكاتب أن له منهجه وأسلوبه الخاصين في التحري والتحقيق والتدقيق، وهو يعتمد عليهما في رفض الخبر وقبوله. وهذا الكلام هنا، مجرد كلام فارغ ودعوى لا شيء يصدقها. إن الأمر هنا يجد تفسيره، وتفسيره الوحيد، في كون المعيار عنده الذي يرفض بموجبه الخير أو يقبله هو مدى قدرة هذا الخبر أو المعطى على تشويه الحركة والإساءة إليها. إن مصداقية الخبر عنده، تكمن فقط في مدى الإمكانية التي يمنحها الخبر له للثأر والانتقام. والمصادر الموثوقة هي فقط تلك تمعن في تشويههم وتلطيخ سمعتهم.
يقول الكاتب “ما من بيئة تمكن فيها الإرهاب إلا وأظهروا تأييدا أو نصرة مباشرة أو غير مباشرة” والكلام هنا واضح وموجه إلى الحركة الإسلامية ذات المرجعية السلفية، أي عن حركة “الإصلاح والتوحيد” وحزبها السياسي “العدالة والتنمية” ولنا أن نسأل الكاتب: هل يستطيع أن يكتب كلاما كهذا عن المليشيات الإرهابية التي تستقدمها جمهورية الفرس المجوس؟ آلا يؤيد هو الجهات التي تشن ذات الإرهاب وتقتل العرب والمسلمين وتهجرهم وتشردهم خارج حدود بلدانهم ويدعمهم ويناصرهم تماما كما يفعل خصومه من الحركة الإسلامية السلفية أو ذات المرجعية السلفية؟ أم أن الجهات التي يمتدحها الكاتب ويدعمها توزع على أهل السنة والعرب التمر والحليب بدل القذائف والصواريخ والمتفجرات؟ إن فظاعة الإرهاب الذي يجترحه “السلفيون” لا تزيد عن ذلك الذي توقعه جماعات الرفض المدعومة من المجوس، وبالتالي فالرفض والإدانة والاستنكار والتنديد وكل شيء من مثل هذا القبيل ينبغي توجيهه إليهما معا. وكما هي مواجهة الإرهاب الذي يتورط فيه” السلفيون” ضرورية، ضرورية أيضا مواجهة الإرهاب “الرافضي” المدعوم مجوسيا.
ويصف خطابات “قيادات” الحركة الإسلامية” في المغرب بكونها “مليئة بالديماغوجية وتمجيد الذات” وإذا كنا لسنا في معرض الدفاع عن هذه القيادات ولا عن خطاباتها لأننا لا نبرؤها من الاتهامات التي كالها لها الكاتب إلا أننا سنقف عند قضية “تمجيد الذات” التي ذكرها. إن معضلة تمجيد الذات التي أشار إليها الكاتب ليست داء يصيب خصومه من الإسلاميين فقط بل إن الكاتب نفسه مصاب به إلى حد بعيد. والكتاب هذا طافح بالشواهد على هذا الامر. إنه في كثير من المحطات من كتابه يتحدث عن نفسه ويعلي من قدرها ويرفع شأنها، وينسب اعتقاده إلى اعتقاد “أهل الحكمة والعرفان” مع أنه لا أحد يعترف له بذلك أو يقر له. ويقول عن كتابه أنه “يتفرد بدقة انتقائه لمصادره” وأنه “يتفرد بالكثير من حقائق” الحركة الإسلامية في المغرب، و “أن القارئ الحصيف والموضوعي أن …في هذا الكتاب توجد حقائق لم يسمع بها من قبل …وهذه حقيقة لا يردها إلا حاقد أو حسود أعمى الجهل عقله” والحق أن كل هذا مجرد مزايدات لا قيمة لها، فالمطالع للشأن الإسلامي والمتابع له يعرف ما في الكتاب وأكثر. الشيء الوحيد الذي لا يعرفه القارئ ولم يسمع به هو تلك الأخبار السوقية التي وردت فيه وهو تلك الحكايات التي لا تستحق الوقوف عندها والاهتمام بها. والمشكلة هنا هي أنك لا تجرؤ على الإفصاح عن موقفك هذا وإلا كنت معدودا في زمرة من” أعمى الجهل عقله”. أليس هذا “تمجيدا للذات” وإعجابا بها؟ إذا كان هذا تمجيدا للذات فإن الكاتب ومن ينتقدهم ويسفههم في “المنكر” سواء وإذا لم يكن كذلك فإن تلك “القيادات” المزعومة أيضا ليست كذلك.
وبعد، فإن هذه المقالة ليست مرافعة من أجل “الإسلاميين” ومن أجل تبرئتهم، فهم للأسف لا يستحقون أن ينبري أحد للدفاع عنهم والرد على من ينال منهم، ولكنها مقالة زبدتها وخلاصتها أن الذين يعملون في السياسة وفي مجالاتها باسم الدين والطائفة والمذهب لا يختلفون، إنهم واحد. تختلف عناوينهم وعناوين مرجعياتهم وطوائفهم ومذاهبهم ولكنهم في العمق وفي الحقيقة ذوو أهداف وأطماع وتطلعات واحدة، أي الركوب على الشعوب واستغلالها واستحمارها.
