عن فيلم “قصّة الحيّ الغربي” للمخرج الأمريكي ستيفن سبّيلبرغ

الوطن24/ بقلم: بنعيسى بوحمالة

يعرض حاليّا في صالات السّينما بالولايات المتّحدة فيلم “قصّة الحيّ الغربي” للمخرج الأمريكي المائز ستيفن سبّيلبرغ محقّقا عائدات تقدّر بملايين الدّولارات…

الحدث إيّاه تعود جذوره إلى تلك اللّحظة المتنائيّة التي شاهد فيها سبّيلبرغ، وهو وقتها ذلك الفتى الغضّ، الشّغوف بالفنّ السّابع، والمنذور إلى مجده السّينمائي القادم، النّسخة الأصليّة، البكر، لهذا الفيلم التي أنجزها المخرج الفذّ روبير وايز عام 1961، وإذ لم يفلح الفتى في طمس افتتانه بما شاهد سيخاطب زوجته قائلا: هذه التّحفة كان يجب أن تكون من توقيعي أنا.. آه لكأنّي بروبير وايز يسترق منّي شيئا ما أجدرني به.. ما علينا.. لك منّي وعد أنّي سأصنع، طال الزّمن أو قصر، نسختي الشخصيّة..

كذا تبلورت، في غضون تلك اللّحظة المتنائيّة المزلزلة، بذرة طموحه إلى إنجاز نسخته الشخصيّة من “قصّة الحيّ الغربي” ثمّ لتستقرّ قابعة في لاوعيه عقودا ستّة، بالتّمام والكمال، أمّمته خلالها ديناميّته اللاّفتة، إخراجا، وإنتاجا فيما بعد، باصما بنباهته على فرجة سينمائيّة نوعيّة، تجد سندها في سيناريوهات أنزع إلى الحركة والإثارة والفانتازيا، وتثمر مدوّنة فيلميّة مغتنيّة ستغدق عليه جوائز وأوسكارات مستحقّة، من عناوينها الفارقة: “مبارزة”، “إي. ت”، “لقاءات النّمط الثّالث”، “إنديانا جونز”، “المحطّة الجويّة”، “الحديقة الجيوراسيّة”، “اللّون القرمزي”، “لائحة شيندلر”، “يجب إنقاذ الجندي رايان”.. فحصل أن سها عن وعده لزوجته، لا متنصّلا منه، التي ستفاتحه، وقد انصرمت العقود الستّة أو كادت، ألم يحن الوقت بعد لتفي بما وعدتني به.. وعدت به نفسك بالأحرى.. وتتفرّغ لإعادة بناء ذلك الصّرح السّينمائي الهائل..

وكذلك كان، والنّتيجة هي هذه النّسخة الثانيّة للفيلم من توقيع سبّيلبرغ، الفيلم (الذي انبنى، أصلا، على متن مسرحيّة غنائيّة قدّمت بمسرح برودواي النّيويوركي عام 1957)، أو، لنقل، هذا الاكتناز المزيد لتحفة سينمائيّة عابرة للأزمنة، تماما كما تحف “ذهب مع الرّيح”، “كازابلانكا”، “المواطن كين”، “موبي ديك”، “خمّن من سياتي للعشاء”، “ماتش 22″، “القيامة الآن”، “هير”، “عندما تمرّ اللّقالق”، “ديرسو أوزالا”، لكم أحببنا بعضنا”.. وغيرها من فرائد السّينما العالميّة..

لعلّ هذه النّازلة الإبداعيّة لوطيدة الصّلة بالمآزق العظمى التي يا ما يحياها المبدعون الأصيلون، في مختلف الأجناس الفنيّة أو الأدبيّة، لمّا تتأبّى عليهم المخيّلة، بأثر من معضلة البّاراديغم التّعبيري أو الموضوعاتي أو التّخييلي، التي هي أسّ زمن الإبداع، فيحسّون، وهم بإزاء أعمال فنيّة أوأدبيّة لنظراء لهم في المجال، كما لو كانت هذه الأعمال هي صميم ما كانوا يفكّرون فيه وكون، بالتّالي، هؤلاء النّظراء، أو الأنداد بالأصحّ، ينوبون منابهم في اجتراح تعابير أو تشييد موضوعات أو اجتراح أخيلة استعصت، في زمن إبداعي بعينه، على مخيّلاتهم هم، بل خذلتها، بينما انقادت بيسر وسلاسة إلى مخيّلات هؤلاء، فيحدث، جبرا لما يصدق نعته بالضّرر الرّمزي، لجوء بعض المبدعين إلى إعادة إنشاء أعمال لشدّما شكّلت غصّة في سيرتهم الحياتيّة والإبداعيّة، وبنفس العناوين في غالب الأحيان، أو إلى معارضات تبطن، إن وددنا، نوعا من الاستدراك الدّال لعمل ازورّ عنهم وانفلت، ولنا في “إنياذة” فيرجيليوس، الشّاعر اللاّتيني، وهو يعيد كتابة “إلياذة” هوميروس، الشّاعر الإغريقي، في صيغتها الرومانيّة، أو في معارضات شعراء تيار “البعث والإحياء” العرب، وفي مقدّمتهم محمود سامي البارودي، لعيون التّراث الشعري العربي، مثال حيّ على هذا..

ولربّما كانت الواقعة الأبلغ في هذا المنحى الاستعادي، وقد خيّل إلينا أنّنا لا نأتي جريرة بقدر ما أنّنا نستملك ثانية ما لزم أن يكون، لو توافر نزر من حسن الطّالع، في حوزتنا، أو الاستحواذي، لا فرق، الذي يسوّغه، بمنأى عن تخريجات التّناص أو الاقتداء، بل وحتى السّرقة، حقّنا المشاع في تناول موضوعات مطروقة.. أفليست المعاني بنتا قحّا للطريق كما قال الجاحظ.. والعهدة، طبعا، على ما نردفه إليها من لبوس باهر، من قيمة مضافة، هي ما قام به الرّوائي الكولومبي المرموق، غابرييل غارسيا ماركيز، وهو يكتب ثانية، منصاعا إلى لاوعيه الاستدراكي المكين، رواية “مومساتي الجميلات” (1961) للرّوائي الياباني الذّائع الصّيت، ياسوناري كاواباتا، مانحا إيّاها عنوان “ذكرى داعراتي الحزينات” (2004)، ومصرّحا، من غير ما تحرّج يذكر، بأنّه الخليق، لو جرت الأمور مجرى آخر، بكتابة ذلك النّص الجميل، الشّائق، جماليّة وموضوعا وإيهاما.. فرغما من بحبوحة جائزة نوبل للآداب، إن ماديّا أو اعتباريّا، خلدت تنغّص على سؤدده الأدبي الجارف، الذي تشكّل رواية “مائة عام من العزلة” جوهرة عقده، شماتة أن لم يسعفه البّاراديغم التّعبيري والموضوعاتي والتّخييلي، دفعة واحدة، على الاهتداء إلى تلك الخطاطة الحكائيّة المنكّهة ببذاخة الرّوح اليابانيّة الرّشيقة، لم يمدّ له يد العون كيما يلقمها من حمى وطيس اختلاجاته الأمريكيّة اللاّتينيّة الفائرة. إنّه السّطو السّافر، إن جاز لنا التّعبير، لكن المنتج والخلاّق، على عمل إبداعي سابق وتطويعه لإملاءات مخيّلة تحسبه ملكا لها عساها تستدرك شماتة ازوراره عنها منفلتا لفائدة أخرى شقيقة سوف تتدبّر مأموريّته وفقا لمزاجها الخاصّ وبطراز أدائي لن يزيدها إلاّ استمساكا به غير آبهة، البتّة، بشيء اسمه فوات الآوان..

على أنّ الوجه الآخر، الإيجابي، ما في ذلك ريب، لهذا المنزع لهو التوّكيد على بداهة الاستيلاد المتواتر للأعمال الإبداعية من أرحام بعضها البعض مندرجة، هكذا، إلى أفقها البنائي التّخومي، المفتوح، واللاّنهائي. وبصدد محكيّ هذا الفيلم، بالذّات، ومعه المسرحيّة الغنائيّة المقتبس عنها، فهو يؤول رأسا إلى الريبّرتوار المسرحي الشكسبّيري، وتحديدا إلى إحدى بدائعه ألا وهي مسرحيّة “روميو وجولييت” ومحكيّها العشقي الفجائعي، الموصول هو الآخر، قوّة وفعلا، بتراث سالف تتصدّره مرويّات: “بّاريس وهيلانة”، الطرواديّة – الإغريقيّة، “إينياس وعلّيسا” الطرواديّة – القرطاجيّة، “راداميس وعايدة” الفرعونيّة – الإثيوبيّة، “شمشون ودليلة” العبريّة – الفلسطينيّة، “أنطونيو وكليوباترا” الرومانيّة – البطليموسيّة (التي سيحوّلها ويليام شكسبّير هي الأخرى إلى مسرحيّة)، “تريستان وإيزوت” الجرمانيّة.. “عنترة بن شدّاد وعبلة”، “قيس بن الملوّح وليلى”، “أبو نواس وجنان”، “ابن زيدون وولاّدة”، في الثقافة العربيّة القديمة.. وبتراث لاحق من رافعاته المشهورة، واقعيّا، في الحقل الأدبي سير: الشّاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين وجوليا، الشّاعر الألماني فريدريش هولدرلين وسوزيت غونتارد (التي سيعمّدها في شعره بالإسم الإغريقي “ديوتيما”)، الشّاعر النّمساوي راينر ماريا ريلكه ولو أندرياس سالومي، الشّاعر الرّوسي فلاديمير ماياكوفسكي وماريا دينيسوفا (التي سيكتب من أجلها معلّقته الملحميّة “غيمة في بنطلون”)، الشّاعر البريطاني تيد هيوز والشّاعرة الأمريكيّة سيلفيا بّلاث.. عبّاس محمود العقّاد وسارة، جبران خليل جبران وميّ زيادة، محمود درويش وريتّا.. فضلا عن تلك المتخيّلة من مثال: “دانتي وبياتريس”، “الدّونكيشوت ودولسيني”، “كازيمودو وإسميرالدة”، “الأمير ميشكين وناستاسيا”.. في، بالتّتابع، “الكوميديا الإلهيّة” لدانتي أليغيري، “الدّونكيشوت” لميغيل دي سرفانتيس، “أحدب نوتردام” لفيكتور هيغو، “الأبله” لفيدور دوستويفسكي.. وحيث المغزى المستديم، الممضّ، هو ألاّ سبيل مطلقا للعشّاق المجنّحين، العزّل، في أيّ مكان كان أو زمن كان، لمغالبة كوابح الواقع وشراساته، الانتصار على التّقاليد المجتمعيّة الرّاسخة، العمياء، المعادية، بالفطرة، لنبالة الحبّ وتساميه، وأنّ الاستحالة لهي الممكن الوحيد في تلابيب أيّما قصّة عشق مستعر، محموم..

مستندا، إذن، على المحكيّ العشقي الفجائعي في مسرحيّة “روميو وجولييت” لويليام شكسبّير، وساعيا إلى تشييد حكاية حبّ جديدة في المهاد العرقي والمجتمعي والثقافي لأمريكا الخمسينيّات، سيعمد روبير وايز (الذي سيحصد فيلمه عشرة أوسكارات) إلى نقل أطوار المحكيّ من عتاقة فيرونا الإيطاليّة إلى الدّيكور الحداثي لحيّ مانهاتن النّيويوركي، سيجعل من “ماريّا” (التي قامت بدورها الممثّلة ناتالي وود، الروسيّة الأصل) مقابلا لجولييت، ومن “توني” (الذي قام بدوره الممثّل ريشارد بيمير) مضارعا لروميو، ومثلما أجهضت حبّ العشيقين الإيطاليّين تلك البغضاء التي استشرت بين عائلتيها، مونتيغو وكابّوليت، ستحكم الحساسيّات العرقيّة بين البّورتوريكيّين السّمر المهاجرين إلى نيويورك، أهل ماريّا، وبين الأنجلوساكسونيّين الشّقر، أهل توني، على عشقهما بالإخفاق المحتّم، بل وستغشى أطوار محكيّهما شنآنات، عراكات، و صدامات داميّة بين الجانبين كان لابّد أن تفضي، على شاكلة المأساة الإيطاليّة، إلى الموت، الفقدان، و أثقال من البرحاء.. حرب غيتوهات معتنفة ستزهق فيها روح “ريف” رأس حربة العصابة الشبابيّة الشّقراء وروح “برناردو” زعيم غريمتها البّورتوريكيّة.. و بما اتّسم به وايز من بصيرة ثقافيّة استغواريّة، مردوفة إلى قريحته الإخراجيّة اللاّفتة، و ضمن زخم من ألحان و أغان ساحرة (سيضع موسيقى الفيلم الرّائع ليونارد برنستاين والتي ستباع منها ملايين الألبومات كما ستصبح منهلا لكبار الموسيقيّين في العالم، ومنهم التّينور الثّلاثي: لوشيانو بّافاروتي، بّالاسيدو دومينغو، خوسي كاريراس، الذين يا ما قدّموا، مجتمعين، باقات منها في حفلاتهم المشتركة)  و مشاهد  كوريغرافية تأسر الألباب سيتولاّها جيروم روبنز، ستقوم عاطفة الحبّ المشبوبة بين “ماريّا” و”توني” مقام تعلّة، ليس أكثر، للتعريّة عن مكنونات مكان أرحب من حيّ مانهاتن، عن أمريكا الخارجة، لتوّها، غالبة، من أتون الحرب العالميّة الثانيّة و الآخذة بزمام مصيرها كقوّة كونيّة كاسحة، أمريكا الغائصة في الحرب الكوريّة في انتظار تورّطها في حرب الفيتنام.. أمريكا إمبراطوريّات “وول ستريت”، “جنيرال موتورز”، “لوكهيد مارتن”، “كوكا كولا”.. قلاع “هارفارد”، “هوليود”، “سي. إن. إن”، “النّيويورك تايمز”.. أمريكا جون فيتزجيرالد كينيدي، الفتى الوسيم، الابن الحقّ لعائلة ثريّة، خرّيج هارفارد، والموعود بسدّة البيت الأبيض انوعاده باغتياله التّراجيدي الوشيك.. مارلين مونرو، أيقونة الإغراء الأنثوي وكرزة الصّناعة السّينمائيّة الهوليوديّة، الزّاحفة، هي الأخرى، صوب حتفها المدمّر.. أمريكا إرنست همنغواي، المتوّج بجائزة نوبل للآداب والعاقد العزم، مع ذلك، على الانتحار تأفّفا من سفالة بلد لا يضاهي اختلاجاته الهادرة.. جيل البتنيك الأدبي، المعتنق لشعار الفوضى المضادّة، لبوهيميّة، وجوديّة وإبداعيّة، بديلة لاندحار الحلم الأمريكي.. أمريكا التغوّلات الماديّة والمنقلبات القيميّة وحيث سطوة مشاعر الفردانيّة، الذرائعيّة، والعنف، لتنفرز، في خضمّ هذا المناخ الضّاري، شبيبة قلقة، مرتجّة، رعناء، سوف تبحث عن شاعريّة حياتها المفتقدة في ارتداء سراويل الجينز أو المخمل، السّترات القطنيّة أو الجلديّة القصيرة، القمصان الرّهيفة، الأحذيّة الرياضيّة، وتسريحات الشّعر المنفوشة (التي ستغدو بفضل الفيلم صرعة رائجة لدى شبيبة العالم خلال الستينيّات).. في التسكّع والعنف، الغناء والرّقص، مناوءة منها لأمريكا مهندمة، وقورة، لكنها رأسماليّة لا ترحم، تطحن المعوزين وتقصي الأقليّات.. ترفع الدّولار إلى مرتبة القداسة وتزري، في المقابل، بعاطفة طهرانيّة، فضلى، كالحبّ..

هل لنا أن نقول، أخيرا، أهو عين مأزق ستيفن سبّيلبرغ وهو يستعيض، بعد تصرّم ستّة عقود مديدة، عن شماتة أن لم يكن هو، لا غيره، الصّانع، الأوّل، الأمهر، لتلك التّحفة السّينمائيّة التي قيّض لمواطنه روبير وايز أن يستفرد بها فرصّعت له مكانته الرّفيعة في الحوليّات السّينمائيّة.. مهما كان الأمر يقينا أنّه سيخوّلها، أي التّحفة، وذلك لما يتحلّى به، هو بدوره، من ثاقب نظر سينمائي ودراية إخراجيّة، نكهة سرديّة، استعاريّة، وبصريّة، رائقة، ستضفي عليها، لا محالة، رونقا أبهى وجاذبيّة أقوى..