لبنان إلى أين؟ الجزء الأول

الوطن24/ بقلم: مامون أسعد التميمي

من بعد نكبة فلسطين عام 1948 إلى منتصف السبعينات كانت بيروت عاصمة لبنان تسمى بسويسرا العرب كان الاقتصاد فيها يتعاظم ويقوى بشكل سريع حتى أصبح أقوى من اقتصاد معظم الدول العربية الناشئة بما فيها البترولية وذلك لأن تلك الدول تفتقر لكل شيء فبعضها نشأ من العدم وكان إخراج البترول يتطور مع الزمن وزيادة تصديره كانت تمر بمراحل مع نمو تلك الدول

  بعد أن حلت لبنان مكان فلسطين في القوة الاقتصادية اعتمدت في اقتصادها على السياحة القائمة على الاستجمام قبل التجارة والصناعة وكان الفرق بين فلسطين ولبنان هو أن فلسطين كانت تنموا من التجارة والزراعة فلقد كانت أكبر بلد مصدر للحمضيات في العالم وكانت فيها مطارات انشئت بالثلاثينات وأول وكالة سيارات في العالم العربي كانت فيها قبل مصر وكان فيها ثاني اذاعة عربية بعد مصر لكن لبنان اعتمدت على السياحة الترفيهية، التي لم يكن فيها ضوابط من كبريهات وكازينوهات ومطاعم وحتى بيوت الدعارة العلنية  بحيث تفوقت على العديد من الدول الأوربية بذلك، فكان الانفتاح  بلا ضوابط، ولما وجد فيها اغنياء العرب كل ما يلبي لهم نزواتهم فلقد انتقلوا فيها من مرحلة الاستجمام الدائم إلى الاستجمام مع الاستثمار تحت اغراء المشاريع التي كانت تعرض عليهم واستهوت لبنان اغنياء العرب الناشئين خصوصا من اغنياء الدول البترولية، الذين  امتلكوا الأموال مع ظهور البترول واشتروا فيها البيوت والشقق وبنوا فيها القصور والعمارات واستثمروا فيها الفنادق والبنوك ومشاريع البناء ومشاريع الصناعة بكل اشكالها ظل هذا الأمر إلى عام 1975  إلى أن اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان فهرب المستثمرين العربمن لبنان وتبعهم بالتدريج المستثمرون اللبنانيون من أهل البلد لأن الحياة أصبحت لا تطاق  فلقد دمرت أهم أسواق بيروت وأهم فنادقها وحرقت ونهبت بنوكها إلا أن العملة اللبنانية الليرة لم تفقد قيمتها إلا قليل جدا لكنها لم تعد تنموا  وظلت الثلاث ليرات تساوي دولار واحد، وأتذكر أنا حينما غادرنا مع منظمة التحرير لبنان بعد معركة حصار بيروت التي استمرت ثلاثة أشهر كانت الخمس ليرات لبنانية تساوي دولار واحد  وكان الصرافين قد اتوا لنا لنصرف رواتبنا بالدولار التي قبضناها قبل الرحيل بأيام فلقد صرفوا لنا 6 رواتب ثلاث رواتب عن الأشهر التي مضت بالحرب وثلاث رواتب للأشهر القادمة لأن مؤسسات منظمة التحرير ستكون في طور إعادة الهيكلة  فلقد كان  الصرافين والاقتصاديين  يعتقدون وبقوة  أن رحيل منظمة التحرير سيرفع من الاقتصاد اللبناني وأن أمور لبنان ستعود إلى قبل الحرب الأهلية، ولكن لم يمضي ثلاثة اشهر على الرحيل الرسمي لمنظمة التحرير حتى  بدأت الليرة اللبنانية بالانهيار، على عكس ما كان يتوقع الجميع بان الليرة البنانية سترتفع بعد رحيل منظمة التحرير لأنهم كانوا يعتقدون ان لبنان سيستقر  إلا أن توابع هذا الرحيل دفعت عبد الحميد شومان رئيس مجلس ادارة البنك العربي ان ينقل أموال البنك العربي ومركزه من بيروت بعد ان تعرض إلى مضايقات  فانتقل  المركز الرئيسي إلى عمان، كان البنك العربي في وقتها أهم بنك في لبنان فخروجه من لبنان مع  معظم أمواله كان صفعه شديدة للاقتصاد اللبناني إضافة إلى خروج أموال منظمة التحرير وانعدام مصاريفها اليومية من تموين ومستلزمات ومستشفيات وأمور اخرى التي كانت تصل يوميا فقط من حركة فتح لوحدها غير مصاريف الفصائل الاخرى إلى اثنين مليون  ليره لبنانية، وكان لهذا المبلغ قيمته في ذلك الوقت حيث كانت قيمته بالدولار حوالي 500 ألف دولار يوميا هذا غير المصاريف الشهرية والرواتب والتي كانت تستهلك كلها في لبنان وكانت منظمة التحرير تستقطع من رواتب الشعب الفلسطيني في دول الخليج والسعودية 5% من بداية السبعينات بقرار من الملك فيصل وكانت منظمة التحرير تعتمد على هذه الأموال  بشكل رئيسي وكانت في وقتها تعتبر مبالغ كبيرة، مكنت منظمة التحرير من شراء الأسلحة والمعدات والمستلزمات بكل أنواعها واشكالها،

بعد خروج منظمة التحرير هيمنت سوريا على لبنان واقتصاده  ففي الوقت الذي كانت منظمة التحرير  داعم حقيقي للاقتصاد اللبناني من إيداعاتها المالية ومصاريفها اليومية والشهرية والسنوية كانت سوريا  على العكس من ذلك تماما فلقد اعتبرت سوريا  لبنان بقرة حلوب سرقت اموالها وهيمن رجال الأمن السوريين والعسكر على كل اقتصاد لبنان وتشاركوا بالقوة والخاوة مع المشاريع اللبنانية من غير أن يساهموا بقرش واحد فيها، ولكن تحت شعار حمايتها وتسهيل أمورها هذا الامر دفع الاقتصاديين اللبنانيين ليهربوا بأموالهم للخارج وتسارعت الليرة اللبنانية بالانهيار، رغم أن إيران صبت اموال كثيرة لحزب الله  إلا أن الاستنزاف السوري  كان أكبر من كل تلك الأموال، حتى وصل الدولار إلى سبعمائة ليرة لبنانية عام 1993

 حل محل منظمة التحرير الفصائل الشيعية المدعومة من إيران وعلى رأسها حزب الله وظلت منظمة التحرير تدفع الرواتب إلى عناصرها الذين تركتهم في لبنان وإلى عائلات الشهداء والمستشفيات فهي تدفع الى اليوم 20 مليون دولار شهريا.

  يتبع في الجزء الثاني