لماذا لا تنقذنا الانتخابات؟؟!!

الوطن24/ بقلم: خالد شخمان.

تواجه المجتمعات خلال تطورها مشاكل متعددة ومتنوعة، وتضع لهذه المشاكل إجابات تنسجم مع رؤيتها لذاتها وللكون والعالم من حولها..

وإذا كانت المجتمعات الغربية قد نسجت اجتماعها السياسي على الإعلاء من شأن السلطة السياسية لإحداث الفرز الاجتماعي بين طبقات العبيد والمواطنين أو المواطنين والأجانب مثلما هو الشأن في التقاليد اليونانية والرومانية؛ فإن مجتمعات شبه الجزيرة العربية لم تكن تقِيم بالا للسلطة السياسية بالشكل الذي هو عليه في الخبرتين المذكورتين..

لقد اختار الله عرب شبه الجزيرة العربية (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وهُم من تطبعت شخصياتهم -على عكس شعوب الامبراطوريات المحيطة بهم أنذاك- بملامح مناخ وتضاريس الطبيعة الصحراوية: طلاقة وتحررا وبساطة.. فكان انقيادهم لمن يدبر أمرهم، لا يتم إلا على مقتضيات المعاني القيمية التي يدينون بها كالحلم والتواضع والجود والكفاءة اللغوية/الشعرية ودماثة الأخلاق.. فبهذا المعنى تحَدَّث أحد رجال العرب “نحن لا نسود إلا من يوطئنا رحله ويفرشنا عرضه ويملكنا ماله”.

وعلى هذه المقومات ابْتَنت الدعوة المحمدية أسسها في صياغة معالم اجتماع إنساني جديد قوامه التفاضل بين الناس على أساس التقوى والعروج الإيماني بدل الولاءات المادية الأخرى: أكانت حيازة لمال أو جاه أو سلطة أو سلطان، (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فأولئك لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ).

وهو عروج إذ يتوسل برفض التقرب من أهل النفوذ والسلطة والسلطان فإنه يمنح لهذا الانسان التوحيدي فاعلية تجاوزية يتسلح بها في رحلة تزكيته وعمرانه وفي مواجهته لأنواء معاشه..  فهي فاعلية تُستنهض بفكرة/عقيدة توحيدية من خصائصها أنها متجاوزة لعالم المادة وكافة أنواع السلطان..

وعليه يصير العروج الإيماني الذي يتحقق فرديا وجماعيا نحو الحق/الله هو العاصم من الأَسْر في مخالب الأهواء والأطماع أو مصالح أهل السلطان.. لكونه عروج يشابك من جهة، الحق الغاية مع الحق الوسيلة، فسِيانٌ أن يتحقق الحق/الوسيلة بفرد واحد أو بعدد كبير من الأفراد/الأصوات.   كما أنه عروج يكسب إنسانه من جهة ثانية، المقدرة على التحرر من التعبد لشرعيات الأصوات في المجال السياسي وفي غيره من مجالات الحياة: فهو تحرر يبدأ بنزع أغلال هواه ثم ينتقل لباقي الأغلال التي قد تعيق شهوده الحضاري وبناءه العمراني.. أو ليست الجماعة كما يروى عن ابن مسعود هي “ما وافق الحق ولو كنت وحدك”.

وإذا كان إنسان النسق التوحيدي يكتسب فاعليته بالدافعية والمعاني الرسالية التي تمده بها عقيدة التوحيد المتجاوزة لعالم المادة الطبيعي، فإنه لا يكون بحاجة لسلطة الدولة المطلقة للتعبير عن السمة التطورية لجماعته.. لأنه إنسان فاعل بمقتضى عقيدته التي تجعله واليا لأمر الناس في حدود إمكاناته واختصاصاته.. وهو الأمر الذي يجعله لا يرى في السلطة السياسية إلا جزءا يسيرا من أجزاء هذه الولاية.

 لهذا نعتقد أن هذا التهافت نحو الإصلاح بالانتخابات والاستغراق المريض في من يحوز السلطة السياسية إنما هو من جهة، تيه فكري وفقدان لذاكرة تاريخية كانت الجماعة فيها فاعلة -بمنطلقها العقدي- في كل المجالات بعيدا عن الدولة وسلطتها السياسية: في التشريع والإفتاء والقضاء وفي تشييد  المساجد والمدارس والمستشفيات، وتعبيد الطرقات وتوظيف العاملين، والاعتناء بالمسنين، وطلبة العلم والفقراء..؛ كما أنه من جهة ثانية، إعلاء من شأن أجوبة لمشاكل اجترحت في أنساق فكرية وخبرات تاريخية مختلفة تماما عن نسقنا الفكري وخبرتنا التاريخية..