مغاربة العالم خارج اللعبة السياسية: دستور يُداس… ومواطنة تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى

رغم أن دستور 2011 حسم بوضوح لا يقبل التأويل في الحقوق السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج، فإن الواقع يكشف اليوم مفارقة خطيرة: ملايين المواطنين محرومون عمليًا من ممارسة جوهر المواطنة، في وقت تُفتح فيه الخزائن لاستقبال تحويلاتهم المالية دون تردد. إنها علاقة مختلة، تُدار بمنطق نفعي بارد، يُختزل فيه مغاربة العالم في أرقام اقتصادية، لا كقوة سياسية وبشرية قادرة على الإسهام في القرار الوطني.

وعندما أفرد الدستور المغربي موادًا خاصة بمغاربة العالم، لم يكن ذلك من باب الاعتراف الشكلي أو المجاملة السياسية، بل استحضارًا للدور المحوري الذي تضطلع به الجالية المغربية باعتبارها سفراء حقيقيين للمغرب عبر القارات. فإسهامهم لا يقتصر على تحريك عجلة الاقتصاد الوطني وضخ العملة الصعبة، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في التكامل الوطني ومواجهة التحديات العابرة للحدود، وتعزيز التمثيلية المشرفة للمغرب في الفضاءات الدولية. ومن هنا، فإن التنزيل الأمثل لروح الدستور يقتضي تمثيلية حقيقية لصوت الجالية داخل المؤسسات، سواء في البرلمان أو في مختلف الهيئات التمثيلية والاستشارية، لأن المشاركة الصورية، الخالية من الأثر، لا ينتفع بها المغرب.

الفصل 17 من الدستور المغربي لا يترك أي هامش للغموض: حق التصويت والترشيح مكفول لمغاربة العالم، على مستوى اللوائح والدوائر المحلية والجهوية والوطنية، انطلاقًا من بلدان الإقامة. كما يُلزم الفصل 18 السلطات العمومية بضمان أوسع مشاركة ممكنة لهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة.

غير أن التعديلات الأخيرة التي طالت القوانين الانتخابية المرتبطة باستحقاقات 2026، كشفت أن هذه المقتضيات الدستورية ما تزال معلّقة سياسيًا. فلا تصويت بالخارج، ولا دوائر انتخابية، ولا مقاعد برلمانية مخصصة، بل استمرار لآليات متجاوزة، كالتصويت داخل المغرب أو عبر الوكالة، وكأن الدستور لم يُكتب بعد.

لماذا لم تحمل التعديلات الانتخابية أي جديد يترجم الحقوق الدستورية لمغاربة العالم؟
من المستفيد من إبقاء ملايين المواطنين خارج المعادلة الانتخابية؟
وهل هناك خشية من صوت مستقل، متحرر من منطق الزبونية والمال الانتخابي؟

هذه الأسئلة تظل بلا أجوبة رسمية، لكنها تكشف حجم التناقض بين خطاب الدولة حول المواطنة الشاملة، وممارسات تُفرغ هذا المفهوم من مضمونه.

آلية التصويت بالوكالة، المعمول بها حاليًا، لم تعد سوى تحايل قانوني يُقدَّم كحل، بينما هو في الواقع إفراغ صريح للحق الدستوري في التصويت من جوهره. فكيف يُمارس حق شخصي وسيادي بواسطة الغير؟ وأين مبدأ السرية والاستقلالية؟ وأي مصداقية يمكن الحديث عنها في انتخابات يُقصى منها ملايين المواطنين فعليًا؟

الجالية المغربية ليست مجرد خزّان للعملة الصعبة، بل رأسمال بشري هائل يضم كفاءات علمية، قانونية، سياسية، واقتصادية، وفاعلين مدنيين منتخبين في بلدان الإقامة. غير أن هذا الرصيد يُترك خارج دوائر القرار، في تناقض صارخ مع خطاب الدولة حول ربط الكفاءات بالخارج بمسار التنمية.

الانتقال من الاعتراف الدستوري إلى التفعيل السياسي يفرض إجراءات واضحة، من بينها:

  • تمكين مغاربة العالم من التمثيل السياسي الكامل باعتباره حقًا دستوريًا؛
  • فتح باب التصويت والترشح في الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية؛
  • اعتماد التصويت الإلكتروني، وفتح مكاتب اقتراع بالسفارات والقنصليات، مع إلغاء التصويت بالوكالة؛
  • إحداث لوائح انتخابية بالخارج لتسجيل الناخبين؛
  • تخصيص مقاعد برلمانية لمغاربة العالم، وتوزيعها على دوائر انتخابية بالخارج، مع تبسيط شروط الترشح المستقل.

قضية مشاركة الجالية المغربية في الحياة السياسية لم تعد تقنية أو ظرفية، بل تحولت إلى امتحان حقيقي لمدى احترام روح الدستور المغربي. فإما تفعيل فعلي للحقوق كما وردت في النص الدستوري، أو استمرار في مقاربة تختزل مغاربة العالم في دور اقتصادي بلا صوت سياسي.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يحرج الجميع:
هل يريد المغرب مواطنين كاملي الحقوق في الخارج… أم مجرد حسابات بنكية تُغذّي الداخل؟