من الجحيم إلى الحرية: قصة احتجاز سلمى التي هزّت إسبانيا وفضحت خطورة الصمت.

في واحدة من أكثر القضايا التي صدمت الرأي العام بين ضفتي المتوسط، تحولت قصة امرأة مغربية تدعى سلمى إلى عنوان لألم طويل وصمت ثقيل وأسئلة أخلاقية لا يمكن تجاهلها. ما بين روايات عن احتجاز قسري دام أكثر من عامين، وتحقيقات رسمية انطلقت بعد فرارها المفاجئ، تتشكل ملامح قضية مرعبة بدأت فصولها في إسبانيا ولم تتوقف أصداؤها عند حدودها.

سلمى، البالغة من العمر 38 عاماً، كانت قد اختفت عن الأنظار في ربيع 2024، قبل أن تعود إلى الواجهة في 10 فبراير 2026 حين وصلت منهارة إلى مركز صحي في منطقة سان خوسيه دي لا فيغا بإقليم مورسيا. هناك، كشفت أنها كانت محتجزة داخل منزل ريفي معزول، مؤكدة أن شريكها السابق هو من حرمها من حريتها طوال نحو 22 شهراً.

وفق المعطيات الأولية التي كشفتها التحقيقات، تحركت عناصر الشرطة الوطنية الإسبانية فور تلقي الإخطار، فداهمت المنزل وأوقفت المشتبه به الرئيسي، كما أوقفت ثلاثة أشخاص آخرين للاشتباه في علمهم بما كان يجري دون إبلاغ السلطات. وخلال عملية التفتيش، تم حجز أسلحة وأدوات يُشتبه في استعمالها في تقييد الضحية.

القضية صُنفت رسمياً ضمن جرائم العنف ضد المرأة، وهي فئة يحظى ضحاياها في إسبانيا بحماية قانونية خاصة، تشمل الإيواء السري، والمواكبة النفسية، والمساندة القضائية. ويواجه المتهم الرئيسي تهماً ثقيلة تشمل الاحتجاز غير القانوني، والاعتداء، والتهديد، والإكراه، في انتظار ما ستسفر عنه المحاكمة.

إذا صحت رواية الاحتجاز الطويل، فكيف أمكن أن يستمر هذا الوضع كل هذه المدة؟ كيف يمكن لمن يعيش في محيط سكني، حتى وإن كان ريفياً، ألا يثير غياب امرأة كل هذه الفترة انتباهاً كافياً؟ وهل كان الصمت ناتجاً عن خوف، أم عن لامبالاة، أم عن سوء تقدير لحجم الخطر؟

القضية أعادت إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول مسؤولية المحيط الاجتماعي، وحول ضرورة التعامل بجدية مع بلاغات الاختفاء والعنف الأسري. فحين يتحول العنف إلى سرّ خلف الجدران، يصبح الصمت بيئة حاضنة له، وتتحول اللامبالاة إلى شريك غير مباشر في المأساة.

اليوم، تتلقى سلمى الرعاية في مركز آمن مخصص لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما ينتظر الرأي العام ما ستكشفه التحقيقات القضائية. غير أن المؤكد أن القضية تجاوزت بعدها الفردي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمدى يقظة المجتمع ومؤسساته في حماية الأضعف.

قضية سلمى ليست مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار: العدالة تبدأ بالمحاسبة، لكنها لا تكتمل إلا بكسر دائرة الصمت، وتعزيز ثقافة الإبلاغ، وضمان ألا يبقى أي إنسان أسيراً خلف باب مغلق دون أن يسمع أحد صوته.