هل المغرب في حاجة الى كتلة تاريخية؟

  الوطن 24/ بقلم: محمد اهيري

مفهوم الكتلة التاريخية

تبلورت فكرة الكتلة التاريخية على يد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي[1] خلال النصف الأول من القرن العشرين، وجاءت في سياق محاولة المفكر الإيطالي الإجابة عن سبب استمرار هيمنة الطبقة البورجوازية على المجتمعات الصناعية رغم الأزمات التي كانت تمر بها، واعتبر غرامشي أن هذا السبب لا يكمن دوماً في قدرة الطبقة المهيمنة على قمع القوى الأخرى، ولكن في نجاحها أحياناً في ممارسة الهيمنة الثقافية والعقائدية على الطبقات الأخرى، ومن ثم في تكوين سند شعبي واسع مؤيد لها. وللخروج من هذا الوضع، اقترح غرامشي السعي إلى تكوين ثقافة تغيير موجهة إلى طبقات وشرائح اجتماعية لا تستفيد من بقاء الوضع الراهن، والعمل على تكوين تحالف بينها (كتلة تاريخية).

قام غرامشي بالتنظير “للتحالف بين البروليتاريا والفلاحين، بين العمال الصناعيين والزراعيين”، ومن يقوم بتوطيد مثل هذا التحالف هم الطليعة او الطبقة المثقفة. وفي أفق هذه النظرة لطبيعة وكيفية التحالف أسس غرامشي لمفهوم (الكتلة التاريخية) حيث يشكّل المثقفون “الاسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين كتلة تاريخية”[2].

وحدد الأستاذ الجابري بدوره معنى الكتلة التاريخية على أنها كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها إلى درجة كبيرة التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج…[3]

أسباب الفشل السياسي

إن الظروف التي عاشها ويمر بها المغرب، لاسيما تدهور الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية خاصة في السنوات الحالية، والتي أفرزت تعثرات واختلالات حكومية من خلال التباعد القائم بين احزاب التحالف الحكومي نفسها، أو بين احزاب المعارضة والأغلبية فيما يخص التدبير الحكومي وانتظارات المواطنين، تستدعي العمل على ايجاد بديل سياسي لما هو عليه الامر في الوقت الحالي وهو كتلة تاريخية كما اشار الى ذلك كل من الاستاذ الجابري وغرامشي.

لا يختلف أحد على أن الأزمة التي تعاني منها السياسة بالمغرب على مستوى جيمع السلط، بل ويمكن القول باقي المؤسسات الأخرى هي العنوان الأبرز لنتيجة التواصل والتدبير المؤسساتي السيئ عموما، وتواصل سوء تدبير الأزمات، وهذا ما عشناه ونعيشه اليوم على أكبر من مستوى ومن مجال. فتواصل الأزمات عند هاته المؤسسات يولد الكثير من الخيبات والنكسات لدى المواطن، ويسيء الى المؤسسات ذاتها، والسبب أنه لا تتوفر هذه المؤسسات على إستراتيجية واضحة المعالم من أجل تفعيل مهامها، ثم التواصل مع الرأي العام، والحيلولة دون تطور الأزمة إلى أزمات أخرى.

إن التراجع السياسي والتدبيري الذي يعرفه المغرب وخاصة الاحزاب السياسية، نتج عنه صراعات وتجاذبات ساهمت في هدر لإمكانات الرقي بمستوى التدبير الحكومي، والتحكم في العجز المتزايد والأزمات الاجتماعية المستفحلة في جميع القطاعات، كما ولّد فراغا سياسيا قد ينتج عنه مظاهر غير صحية تؤدي بالبلاد الى درجات من الازمة لا يمكن تفاديها، ولنا في حراك الريف وجرادة ومختلف الاحتجاجات خير دليل على عقم التدبير الحكومي والحزبي والسياسي عامة، وهذا الفراغ ليس من شأنه إلا أن يفسح المجال للتشرذم السياسي والإجتماعي، مثلما أن عدم الارتباط بأهداف وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية يجعل المجهود الذي تبذله كل القوى الفاعلة مهددا بالدوران في حلقة مفرغة، “لأن المهام التاريخية المطروحة مهام لا يمكن أن يقوم بها فصيل واحد أو تيار واحد بمفرده، مهما أوتي أصحابه من العزم أو من القدرة على التضحية”[4].

كل هذه التصدعات التي تعاني منها السياسة المغربية هي نتيجة لغياب الديمقراطية والمساواة وغياب الروح الوطنية والمصلحة العامة، ثم الإقصاء وتهميش دور المواطن في المشاركة السياسية وأطراف اخرى، وهذا بطبيعة الحال سبب من أسباب التراجع في مقابل القفزات التي تعرفها دول كانت الى وقت قريب تعاني المجاعة والحروب وكل اشكال العنف، ولنا في رواندا خير دليل.

جاء الربيع العربي ومعه الكثير من المتمنيات من اجل تحقيق أو إصلاح ما أفسدته السنوات الماضية، لكن الملاحظ هو أن هذا الربيع جاء بضيف شره ليعصف بأحلام الشعب المغربي، من خلال كل ما تعرّض له في السنوات الاخيرة من ازمات خاصة على المستوى الاقتصادي، وحتى السياسي من قبيل الصراع الغير فعال بين الأحزاب على حساب مصلحة المواطن، واقصاء الشباب من السياسة، وتأويل الامور الى غير اهلها في التدبير العمومي[5].

أهداف تبني الكتلة التاريخية

تأتي أهمية استحضار مفهوم الكتلة التاريخية تبعا لما طرحه غرامشي والجابري بخصوص ضرورة التحالف من اجل التأسيس لكتلة تاريخية وطنية في كل دولة، من خلال تكتل كل الأطراف والإيديولوجيات في سبيل تحقيق الاستقلالية والإنعتاق من التبعية لطبقة معينة أو الخارج في كل المجالات، وكذا التحرر من الدغمائية السياسية، والانتصار للمصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة. ويمكن القول ان فكرة الكتلة التاريخية لها روابط مع النموذج التنموي الحالي القائم على المقاربة التشاركية، حيث يبقى المواطن عماد هذا المشروع المجتمعي الذي قامت له ووافقت عليه كل الفئات والطبقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية…

يرتبط وجود كتلة تاريخية بقيام العلاقة ما بين المثقفين والطبقات المختلفة، بين المثقفين والشعب. فقد لاحظ غرامشي عند تحليله للبنية الاجتماعية في الجنوب الإيطالي، أن “المزارع الجنوبي مشدود للملاك الكبير بواسطة المثقف”، ففوق “الكتلة الزراعية” تعمل إذا “كتلة فكرية” وهي دعامة حقيقية لها، مرنة ولكنها لا تتحطم بسهولة ويستحيل بالتالي فك هذه الكتلة الزراعية بدون كسب (أو تحييد) المثقفين الذين يدعمونها[6]

هذه الكتلة، هي تاريخية ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهداف تاريخية، بل لأنها تجسيم لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة، إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها. إن الكتلة التاريخية كما طرحها الاستاذ الجابري ليست وسيلة معارضة السُّلطْ او الحكم القائم، ولا ضد أشخاص معينين، ولا تلغي الأحزاب او أي تنظيم ولا تقوم مقامها، وهي لا تستثني أحد، بل هي من أجل الأهداف الوطنية المذكورة، لأن ما يجعل منها كتلة تاريخية ليس قيامها في شكل تنظيم واحد، بل تكوينها في إطار فكري منتظم حول الأهداف المذكورة والعمل الموحد من أجل بناء مغرب موحد من الشمال الى الجنوب.

وهكذا يمكن القول، ان القوى المرشحة لهذه الكتلة في بلد مثل المغرب كما قال الجابري هي:

  • الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية والتنظيمات والمجموعات المرتبطة بها من نقابات عمالية وحرفية وتجارية وفلاحية وجمعيات ثقافية ومهنية ونسوية؛
  • التنظيمات والتيارات التي تعرف اليوم باسم الجماعات الإسلامية التي يجب أن يفتح أمامها باب العمل السياسي المشروع، كغيرها من التنظيمات ذات الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواضحة التي لا تهدد وحدة الوطن ولا تمس وحدة الشعب ولا الوحدة الروحية للأمة… ولا اي مقدس وطني…؛
  • القوى الاقتصادية الوطنية التي تشارك بنشاطها الصناعي والتجاري والزراعي والسياحي والمالي (القطاع الخاص) في خدمة اقتصاد البلاد ككل، وتطويره وتنمية قدراته؛
  • جميع العناصر الأخرى التي لها فاعلية في المجتمع بما في ذلك تلك التي تعمل داخل الهيئة الحاكمة، والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة؛
  • اضافة الى اشراك المواطن والمجتمع المدني باعتبارهم من العناصر الأساسية الفاعلة في المجتمع، والفئة المستهدفة من السياسات المتبعة، كما عملت على ذلك لجنة النموذج التنموي.
  • إعمال مقاربة النوع من اجل اشراك باقي الفئات الاخرى كالنساء في بناء المغرب الجديد؛
  • إدماج فئات أخرى كالأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة خاصة في ظل النموذج التنموي الجديد، اضافة الى المهاجرين والمقيمين بالمغرب؛

توصل غرامشي الى فكرة ان قوة طبقة معينة في الوصول والتحكم في ادارة التنافس والصراع رغم ضعفها أو عدم قدرتها التامة على السيطرة لا يكمن في القمع، بل السبب هو ممارسة الهيمنة الثقافية والعقائدية، وخاصة التحكم في الثروة الاقتصادية على الطبقات الأخرى، ومن ثم في تكوين سند شعبي واسع مؤيد لها. ومن اجل الخروج من هذه الدائرة اقترح غرامشي حلا يعتبر بسيط وعادي نظرا للتواجد الهائل للطبقة المثقفة.

إن الحل الذي يقترحه غرامشي وحتى الاستاذ الجابري، وكذلك الذي يستشف من الواقع التدبيري والسياسي الحالي للمغرب في ظل ضعف التواصل السياسي والتأطيري لدى الأحزاب السياسية (تواصل مرحلي انتخابي)، وفي ظل غياب نخبة سياسية قادرة على ايجاد الحلول والبدائل والاستجابة لمطالب المواطن، هو الاستناد الى تكوين ثقافة تغيير موجهة إلى طبقات وشرائح اجتماعية لا تستفيد من بقاء الوضع الراهن، والعمل على تكوين تحالف (كتلة تاريخية) بينها، ومن هو قادر على القيام وقيادة هذه المهمة هي الطبقة المثقفة التي تحمل هموم الانسان العادي الى السلطات العامة، سواء كانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية…

لكن واقع الحال هو أن المثقف العضوي أو الطبقة المثقفة التي يُنتظر منها ان تعلب دور الوسيط بين الجماهير والطبقة السياسية تظهر حاليا انها مشغولة عن اداء وظيفتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية من خلال التسابق الى الاعلام والترويج للسلطة السياسية-الحزبية، حيث بددت هذه النخبة المثقفة مفهوم المثقف العضوي الذي كان ينتظر منه الوساطة وملأ الفراغ الذي أحدثه غياب الأحزاب السياسية، وتحول الى مثقف اعلامي وناشط تلفزي او مدني، أو من خلال احتواء بعض الاحزاب للمثقف والأكاديمي وجعله رهينة لدغمائية الاحزاب وأهواء سلطتها.

والواقع الذي نعيشه حاليا هو ان الطبقة المثقفة في مجملها ميالة الى مناصرة الفئة الاكثر نفوذا في المغرب سواء كانت اقتصادية او سياسية-اعلامية، ونتج عن هذا الانحياز استحالة تكوين طبقة مثقفة تتصدى للفئات القوية المسيطرة لحساب الفئات الاجتماعية الاخرى المهمشة والمقصية من دائرة القرار السياسي. وبالتالي يمكن القول أن إقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها إلى درجة كبيرة التوزيع العادل للثروة والنمو في إطار مجهود متواصل للإنتاج بعيد المنال، لان في عزل الفئات الاجتماعية الاخرى دون سند ودعم نخبوي تثبيتا للتفاوت الطبقي.


[1]  غرامشي هو فيلسوف ومناضل ايطالي ولد في مدينة كاغلياري سنة 1891، انتسب إلى الحركة الاشتراكية وشارك في أنشطتها، حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1911، وفي سنة 1914 أسس المجلة الاشتراكية. بدأ غرامشي نشاطه السياسي بتوليه سكرتير اللجنة التنفيذية في فرع تورينو بعد اعتقال جميع الأعضاء الاشتراكيين على إثر الإضراب العمالي، ثم بعد ذلك اعتقل ليودع السجن سنة 1926، وبعد 11 سنة من السجن كتب دفاتر السجن والذي يعد أعظم منجز فكري وسياسي وأدبي.

[2]  رغيد الصلح: لماذا “الكتلة التاريخية” في المنطقة العربية؟، نشر بتاريخ: 31/07/2009، على الموقع الالكتروني http://www.alkhaleej.ae، تم الرجوع إليه في تاريخ 01/06/2021.

[3]  محمد عابد الجابري: “الكتلة التاريخية … بأي معنى؟”، مقالة على الموقع الالكتروني: http://www.aljabriabed.net تم الرجوع إليه في تاريخ، 02/06/2021.

[4]  ورد لدى محمد عابد الجابري: في مقالة ” الكتلة التاريخية … بأي معنى؟”، نفس المرجع السابق.

[5]  غياب الحكومة وجميع السلط عن ايجاد الحلول لبعض المشاكل، والتدخلات الملكية هي الحل لازمات كثيرة كالاحتجاجات “احداث الحسيمة وجرادة” الذي نتج عنه اقالة عدة وزراء وبعض المسؤولين. وكذلك تدبير جائحة كورونا، اضافة الى النموذج التنموي الجديد، حيث لوحظ غياب النخب السياسية في تدبير الازمة.

[6]  غازي الصوراني: “حول جرامشي وتعريف الكتلة التاريخية ومضمونها ارتباطاً بالخروج من المأزق الفلسطيني الراهن“، نشر بتاريخ 2015 / 6 / 16، علىالموقع الالكتروني http://m.ahewar.org، تم الرجوع إليه بتاريخ 29/05/2021.