المغرب: تطوان.. شاحنة نقل المتلاشيات تنسف خطاب “جسر الحضارة”

الوطن 24/ اعداد/ ع. أوضبجي – م. ع. قنجاع
شهدت مدينة تطوان بالمغرب، اليوم الجمعة، مفارقة لافتة خلال اللقاء الذي احتضنته الجماعة لاستقبال اللجنة الاستشارية لمبادرة “عواصم المتوسط للثقافة والحوار”. وبينما صدحت القاعة بخطاب رسمي مُفعم بالطموح حول الدور الثقافي للمدينة داخل الفضاء المتوسطي بالمغرب، كان مشهد خارج القاعة يكاد ينسف روح هذا الخطاب من أساسه.
في كلمته، قدّم رئيس الجماعة، مصطفى البكوري، صورة مشرقة لتطوان باعتبارها “منارة للحوار وجسراً حضارياً بين الشرق والغرب”، مؤكداً أن اختيارها لاحتضان تظاهرة “العاصمة المتوسطية للثقافة والحوار 2026” يحمل رمزية تاريخية خاصة، باعتبارها إحدى بوابات الحضارة المتوسطية بالمغرب. كما أعلن عن مشاريع ثقافية مهيكلة ضمن رؤية المجلس، من بينها “جامعة علوم الثقافة والتراث” و“متحف الذاكرة التطوانية”، مبرزاً انسجام هذه المشاريع مع الرؤية الملكية التي تجعل من الثقافة رافعة للتنمية ومكوّناً أساسياً للهوية المغربية.
لكن، وبعيداً عن الأضواء، وقع ما يشبه الصفعة الرمزية لهذا الخطاب؛ إذ جرى نقل مئات الكتب من المكتبة العامة للمحفوظات باستعمال شاحنة مخصّصة أصلاً لنقل المتلاشيات والردمة، وذلك في إطار أشغال الترميم الجارية بالمكان. مشهد لا ينسجم لا مع رمزية المناسبة ولا مع مكانة الثقافة في الخطاب الرسمي بالمغرب.
هذا المشهد، الصامت في شكله، الصاخب في رمزيته، كشف الهوة بين الشعارات المعلنة والممارسات الواقعية. فبينما يتحدّث المسؤولون عن “جامعة للثقافة والتراث” في المغرب، تُحمل أوعية هذه الثقافة—الكتب والمحفوظات—في شاحنة تُستخدم عادة لجمع الأنقاض. وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: كيف يمكن لمدينة مغربية تتطلع لتكون “عاصمة ثقافية متوسطية” أن تتعامل بهذه الطريقة مع أرشيفها وذاكرتها المكتوبة، حتى ولو كان الأمر مؤقتاً أو بدواعٍ لوجستية؟
إن ما جرى يسلّط الضوء على حقيقتين أساسيتين في تدبير الشأن الثقافي بالمغرب: الأولى أن الثقافة ما تزال تُعامل، على مستوى الممارسة اليومية، كهامش يمكن تأجيله أو التساهل في شأنه. والثانية أن البناء الحقيقي لأي مشروع ثقافي لا يبدأ من قاعات الاستقبال ولا من خطابات الاحتفاء، بل من احترام تفاصيل صغيرة، مثل الطريقة التي تُنقل بها وثيقة أرشيفية واحدة.
إن تطوان، وهي تستعد داخل المغرب لاستقبال سنة 2026 بصفة “عاصمة متوسطية للثقافة والحوار”، مطالَبة اليوم بمراجعة هذا التناقض الصارخ. فمصداقية كل مشروع ثقافي في المغرب تبدأ من احترام الذاكرة المادية للمدن، قبل أن تتجلى في الندوات الرسمية والالتزامات الكبرى. ومشهد الشاحنة كان رسالة واضحة: لا يمكن بناء جسر للحضارة، بينما أساساته تُحمَل في شاحنة مخصّصة للنفايات.
