المغرب: حين تتحول الفيضانات من كارثة طبيعية إلى جريمة إهمال

الوطن 24/ خاص
لم تكن فاجعة آسفي مجرد سيول جارفة باغتت الساكنة في مساء شتوي عابر، بل كانت امتحاناً قاسياً لمنظومة التدبير واليقظة والمسؤولية. فأن تودي الفيضانات بحياة حوالي 37 شخصاً، في حصيلة مؤقتة، فهذا وحده كافٍ لإعلان الحداد. لكن الأخطر من الأرقام هو ما تكشفه الشهادات المتطابقة من أن الكارثة لم تكن مفاجِئة، بل متوقعة، ومُحذَّراً منها، ومُهملة في الآن ذاته.
بـــــلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي، الذي أعلن فتح بحث قضائي للكشف عن ظروف وملابسات الحادث، يبدو من الناحية القانونية إجراءً طبيعياً وضرورياً. غير أن السؤال الذي يتردد بقوة وسط الرأي العام، محلياً ووطنياً، هو: هل يكفي البلاغ بعد أن جرفت السيول الأرواح؟ وهل يُعيد البحث القضائي الحياة لمن فقدوها بسبب ما يصفه السكان بـ”الإهمال المكشوف”؟
شهادات من قلب المناطق المتضررة، من بينها تصريح مؤثر لامرأة من الساكنة، تؤكد أن تحذيرات رسمية كانت قد صدرت بشأن تساقطات قوية وسيول محتملة، وأن السكان طالبوا السلطات المحلية مسبقاً بتنقية المجاري المائية وقنوات الصرف التي كانت ممتلئة بالأزبال ومختنقة. غير أن الرد، حسب هذه الشهادات، كان الرفض أو التجاهل، لتتحول التحذيرات إلى نبوءة مأساوية تحققت حرفياً.
هنا، يتجاوز الأمر منطق “القضاء والقدر” إلى سؤال المسؤولية. فحين يكون الخطر معلوماً، والتنبيه قائماً، والمطالب واضحة، ثم لا يُتخذ أي إجراء وقائي، فإن الكارثة لا تعود طبيعية بالكامل، بل تصبح نتيجة مباشرة لسوء التدبير وغياب الاستباق. وهذا ما يجعل البحث القضائي مطالباً اليوم بأن لا يكتفي بوصف الوقائع، بل أن يربطها بالفعل أو الامتناع عن الفعل، وبمواقع القرار التي كان بوسعها تفادي الأسوأ.
المغاربة لا يشككون في دور القضاء حين يفتح تحقيقاً، لكنهم يخشون أن يتحول هذا المسار، كما حدث في مآسٍ سابقة، إلى إجراء شكلي ينتهي دون محاسبة فعلية. ما تحتاجه فاجعة آسفي ليس فقط تقارير تقنية، بل شجاعة مؤسساتية للاعتراف بالتقصير إن وُجد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، أياً كانت المواقع الإدارية أو المنتخبة المعنية.
إن كرامة الضحايا لا تُصان بالبلاغات وحدها، بل بضمان ألا تتكرر المأساة، وألا يُترك المواطن المغربي وحيداً في مواجهة أخطار يمكن التنبؤ بها وتفاديها. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الكوارث، بل بقدرتها على منعها حين تكون إشارات الخطر واضحة، ومكتوبة، ومسموعة.
فاجعة آسفي ستظل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة، ليس فقط بسبب عنف الطبيعة، بل لأن سؤالاً بسيطاً سيبقى معلّقاً: لو تم الإصغاء في الوقت المناسب، كم روحاً كان يمكن إنقاذها؟
