وضعية السائق المهني في قطاع النقل الحضري بالمغرب: مرفق يدرّ الملايين ويستنزف كرامة من يسيرونه

الوطن 24/ م. علي قنجاع – ع. أوضبجي
في المغرب، يتحول السائق المهني في قطاع النقل الحضري إلى ضحية صامتة داخل مرفق يُفترض أنه عمومي وحيوي، لكنه يُدار بمنطق الربح المجرد، بعيدًا عن أي اعتبار إنساني أو اجتماعي. فبين مكاتب الشركات المفوض لها التدبير، وضغط الشارع اليومي، يجد السائق نفسه محاصرًا، يؤدي واجبه تحت التهديد الدائم، دون حماية حقيقية أو اعتراف بحقوقه.
الحافلات تجوب المدن ليلًا ونهارًا، والعقود بالملايين، والدعم العمومي حاضر، لكن السائق، الذي يتحمل سلامة آلاف المواطنين يوميًا، يظل الحلقة الأضعف، يُحاسَب على كل صغيرة وكبيرة، بينما تُغضّ الأبصار عن اختلالات أكبر في منظومة النقل الحضري. أي حادث، أي تأخير، أي شكاية، يكون السائق أول من يُدان، وكأنه المسؤول الوحيد عن فشل منظومة كاملة.
يشتغل السائق المهني في ظروف توصف أحيانًا باللاإنسانية: ساعات عمل طويلة، ضغط نفسي مستمر، احتكاك يومي مع الغضب والتوتر، أعطاب تقنية في الحافلات، وانعدام شروط السلامة في كثير من الأحيان. كل ذلك مقابل أجور هزيلة لا تعكس حجم المسؤولية، ولا تضمن له الاستقرار الاجتماعي أو المهني. فأين هي الكرامة في قطاع يُفترض أنه واجهة للمدن المغربية؟
الأخطر من ذلك، أن الحديث عن الحماية الاجتماعية، أو التكوين المستمر، أو المواكبة النفسية، يبقى مجرد شعارات تُرفع في التقارير، بينما الواقع يكشف هشاشة أوضاع السائقين، وغياب إرادة حقيقية لإصلاح جذري. فكيف يُعقل أن يُطالب السائق بالانضباط والاحترافية، في وقت لا تُوفر له أبسط شروط العمل اللائق؟
إن وضعية السائق المهني في النقل الحضري بالمغرب ليست مجرد إشكال مهني عابر، بل هي مرآة لاختلال عميق في تدبير المرافق العمومية، حيث يُقدَّم الربح على الإنسان، وتُهمل الكرامة مقابل الأرقام. وهو وضع ينذر بالاحتقان، ويطرح أسئلة محرجة حول دور الجهات الوصية، ومسؤولية المجالس المنتخبة، وصمت النقابات.
لقد آن الأوان لوقف هذا النزيف الصامت، وإعادة الاعتبار للسائق المهني، ليس باعتباره مجرد مستخدم، بل ركيزة أساسية في منظومة النقل الحضري. فإصلاح الحافلات يبدأ بإصلاح أوضاع من يقودونها، وأي حديث عن تنمية حضرية في المغرب يظل فارغًا ما دامت كرامة السائق تُداس يوميًا فوق الإسفلت.
