سوق أربعاء الغرب والمغرب العميق: من يحمي الغشاشين ومن يبدّد الملايير؟

الوطن24/ خاص

في المغرب، حيث تُرفع شعارات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبرز حالات محلية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير المال العام، وحول المسافة الفاصلة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. جماعة سوق أربعاء الغرب تحولت اليوم إلى عنوان صارخ لهذا التناقض، بعدما تبيّن أن ما قُدِّم للرأي العام من “إنجازات” لا يتعدى حدود الورق والتصريحات.

تصريحات رئيسة المجلس الجماعي أمام حزبها، والتي تحدثت فيها عن مشاريع منجزة وطرقات مكتملة، وصرف ميزانيات ضخمة تقدّر بالملايير، فجّرت غضب الساكنة ومتتبعي الشأن المحلي. فالأرض، بما تحمله من حفر ومستنقعات وطرقات متآكلة، كذّبت لغة الأرقام والبلاغات. أحياء تغرق في مياه الأمطار والمياه العادمة، قنوات صرف صحي غائبة أو متلاشية، ومسالك غير صالحة للسير، في مدينة يُفترض أنها استفادت من برامج تنموية كبرى.

الواقع أكثر خطورة مما يُروَّج له. فحوادث السير في تزايد، وسلامة الراجلين والسائقين باتت مهددة يومياً، بل إن المدينة سجلت، حسب معطيات متداولة محلياً، وفيات هذا الأسبوع بسبب وضعية طرق قيل إنها “مؤهلة”. فأي تأهيل هذا الذي يحصد الأرواح بدل أن يحميها؟

كل هذه الأموال، بميزانيات ضخمة تقدّر بالملايير، ذهبت – بحسب تعبير الساكنة – أدراج الرياح، صُرفت على مشاريع وهمية لم تُنجز، وعلى حدائق كاذبة بلغت كلفتها حوالي مليار و600 مليون سنتيم، لا وجود لها في الواقع، إلا إذا كانت معلّقة في الهواء أو مدفونة في باطن الأرض. هنا يتعاظم السؤال: أين الرقابة؟

أين لجان التفتيش؟
أين المصالح التقنية المحلية والإقليمية؟
أين مسؤولية السلطة المحلية، والإقليمية، والمركزية؟
من انتقل إلى الميدان ليفحص ما صرّحت به رئيسة المجلس الجماعي؟
ومن قام بافتحاص هذه المشاريع ومطابقتها مع دفاتر التحملات والواقع؟

الساكنة، التي بُحت حناجرها من الشكوى، تؤكد أن ما تم تداوله مجرد تصريحات وهمية، وأن “الإنجازات” المعلنة لا وجود لها إلا في التقارير. الأخطر من ذلك، حسب متتبعي الشأن المحلي، هو أن المخطط الملكي للتنمية المستدامة، الذي كان يفترض أن يشكّل قاطرة حقيقية لتنمية المدينة، تم العبث به والتلاعب في مساره، دون أثر فعلي على حياة المواطنين.

وهنا يطرح سؤال مؤلم: إذا كان هذا حال مشاريع ملكية ممولة بأمر ملكي، معطلة أو غير منجزة، ولم تتحرك الجهات الرسمية بالصرامة اللازمة، فمتى تتحرك؟ وأي معنى يبقى للمؤسسات إذا عجزت عن حماية المال العام، ومساءلة المتورطين، وضمان حق الساكنة في تنمية حقيقية؟

إن إقليم القنيطرة، الذي تقع ضمنه جماعة سوق أربعاء الغرب، يعيش بدوره على وقع اتهامات متزايدة بسوء التدبير واستفحال الفساد، في ظل إحساس عام بأن بعض المسؤولين محميون بالنفوذ، ومحصنون ضد المساءلة. وضع خطير لا يهدد فقط التنمية المحلية، بل يقوّض ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها.

في المغرب، لا يمكن للتنمية أن تقوم على الأوهام، ولا للحكامة أن تظل مجرد شعار. وسوق أربعاء الغرب اليوم ليست مجرد ملف محلي، بل اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والكشف عن مصير الملايير، قبل أن يتحول الإهمال إلى قاعدة، ويصبح الفساد أمراً عادياً في أعين من أنهكهم الانتظار.