236 مليون سنتيم في المغرب لحفل… ونساء الشوارع تنتظرن الدعم! من يجيب عن الفوضى؟

الوطن24/ خاص
تعيش المدن المغربية على إيقاع العرس الإفريقي، احتفالات، أضواء، تزيين للفضاءات العامة، وترويج لصورة المغرب كبلد منفتح وقادر على التنظيم. غير أن خلف هذا المشهد الاحتفالي، تطفو إلى السطح قرارات تُعيد طرح سؤال الأولويات الاجتماعية بإلحاح، بعد تخصيص وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ما يقارب 236 مليون سنتيم من المال العام لتنظيم حفل “جائزة التميز للمرأة”.
قرار يبدو في ظاهره احتفاءً بقيمة نبيلة، لكنه في عمقه يعكس فجوة صارخة بين الادعاء والواقع. ففي بلد تعيش فيه آلاف النساء تحت خط الفقر، وتكابد أمهات في الأحياء الهامشية والقرى المعزولة من أجل لقمة العيش، يُطرح السؤال: ماذا سيضيف هذا الحفل إلى حياة امرأة لا تجد عملاً، أو لا تستطيع الوصول إلى العلاج، أو تُقصى من أبسط حقوقها الاجتماعية؟
إن المتتبع لردود وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة خلال أسئلة حول بطء الدعم وعدم كفايته لمواجهة الهشاشة، ووضعيات المراكز والمناطق التي تعج بالفقر والإقصاء، يلمس أن تلك الأجوبة ادعاءات بعيدة عن الواقع، وأن الوزيرة تحاول تسويق صورة مزيفة عن وزارتها، تكذبها مشاهد البذخ والإسراف في الوقت الذي تتنصل فيه وزارتها عن التزاماتها تجاه المراكز التي تحارب فعليًا لتحقيق الواجب الاجتماعي ومستلزماته الوطنية. هذا الوضع المتناقض والغارق في الفوضوية يساءل الوزيرة مباشرة ويضع وزارتها أمام مسؤوليات وطنية حول الهوة السحيقة بين الالتزام والادعاء. فالقطاع الاجتماعي، بما فيه النسائي، يُترك لمواجهة العواصف بمفرده، بينما الوزيرة تدّعي زورًا نصرة النساء وهشاشتهن.
236 مليون سنتيم صُرفت على نشاط واحد كان من الممكن أن تغطي نسبة كبيرة من مشروع لإيواء من هم في وضعية الشارع خلال مواسم الصقيع والمطر والبرد، الذين تعج بهم ساحات وشوارع المدن المغربية. فهل هذا الإنفاق يعكس أهداف الوزارة؟ أم أن الأموال تُهدَر تحت ذرائع بعيدة عن الواقع، بعيدًا عن الغاية التي أنشئت من أجلها الوزارة؟
قد تقول الجهات المعنية إن الصفقة قانونية، وإنها مرت عبر مساطر طلب العروض، لكن منذ متى كانت الشرعية القانونية كافية لتبرير قرارات تمس العدالة الاجتماعية؟ وهل يُعفى المسؤول من المحاسبة السياسية والأخلاقية فقط لأنه احترم المسطرة، بينما الواقع الاجتماعي يصرخ بعكس ذلك؟
الأكثر إحراجًا أن هذا القرار يأتي في وقت تتسع فيه الهوة الاجتماعية، بينما تُضخّ الأموال في تحضيرات الاحتفالات الكبرى. فهل المطلوب من الفقراء أن يصمتوا حتى تنتهي الاحتفالات؟ وهل يُنتظر من النساء الهشّات أن يصفقن لمنصات لا تعكس معاناتهن؟
في زمن كأس إفريقيا، يُفترض أن يُقدّم المغرب صورة دولة قوية بعدالة سياساتها، لا فقط بجمالية منصاته. فالدول لا تُقاس فقط بجودة ملاعبها، بل بمدى إنصافها للفئات الهشة، وبقدرتها على تحويل المال العام إلى كرامة اجتماعية، لا إلى لحظات احتفالية عابرة.
ويبقى السؤال الذي يرفض الصمت: من سيحاسب على 236 مليون سنتيم صُرفت في حفل، بينما آلاف النساء في المغرب في أمس الحاجة إلى دعم حقيقي؟ وهل تملك الوزيرة والجهات المعنية الجرأة للاعتراف بأن الفقراء كانوا خارج حساباتها، وأن القطاع الاجتماعي بقي وحيدًا في مواجهة الهشاشة والإقصاء والتهميش؟
أسئلة محرِجة، لكنها ضرورية، لأن الصمت عنها هو مشاركة ضمنية في تكريس واقع يجعل الفقر هامشًا دائمًا، والاحتفال عنوانًا زائفًا للسياسة الاجتماعية.
