وليد الركراكي… حين يُجبر “خبراء الأمس” على مراجعة مواقفهم

عبد الهادي العسلة

في كرة القدم المغربية، لا يكفي أن تفوز، ولا أن تتأهل، ولا حتى أن تصنع التاريخ، كي تنجو من سيل الانتقادات. وليد الركراكي يدرك هذه الحقيقة جيداً، لذلك اختار منذ البداية ألا يشتبك مع الضجيج، وأن يترك الميدان وحده يتكفل بالرد. غير أن المفارقة اليوم، أن بعض من انتقدوه بالأمس، خرجوا بعد آخر مباراة ليقدموا شهادات مناقضة تماماً لما كانوا يرددونه، وكأن شيئاً لم يكن.

الأكثر غرابة، أن هؤلاء لا يرون في هذا التحول أي تناقض، بل يعتبرونه “تقييماً تقنياً متجدداً”، في حين أنه في جوهره اعتراف غير معلن بخطأ القراءة، أو على الأقل بسطحيتها. فكيف يمكن لمدرب يُتَّهم سابقاً بضعف الرؤية، وقلة الجرأة، وسوء الاختيارات، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى “مدرب ذكي” و“واقعي” و“يعرف كيف يدبر المباريات”؟

الحقيقة أبسط من كل هذا الجدل: وليد الركراكي لم يتغير، بل الذين كانوا يقرأون تجربته بمنطق الانطباع لا بمنطق التحليل هم من وجدوا أنفسهم مجبرين على تغيير خطابهم. فالمدرب الوطني اختار منذ اليوم الأول نهجاً واضحاً: لا كرة جميلة بلا فائدة، ولا أسماء كبيرة بلا أدوار، ولا عواطف في المواعيد الحاسمة. وهذا بالضبط ما كان يُحسب عليه، قبل أن يصبح اليوم عنوان إشادة.

الركراكي لم يكن يوماً مدرباً يبحث عن الإجماع، لأنه يدرك أن الإجماع في كرة القدم غالباً ما يكون عدو القرار الصحيح. اختياراته البشرية، أسلوب لعبه المتزن، وتدبيره الهادئ للمجموعة، كلها كانت تُواجه بانتقادات من أشخاص يُقدّمون أنفسهم كـ“عارفين بخبايا الكرة”، لكنهم في الواقع أسرى ذوق شخصي لا علاقة له بمتطلبات المنافسة القارية.

وإذا كان بعض المنتقدين قد عاد اليوم ليشيد بالمدرب نفسه الذي شكك فيه بالأمس، فذلك لا يعكس تطوراً في التحليل بقدر ما يكشف هشاشة الخطاب النقدي في جزء من المشهد الكروي المغربي، حيث تختلط الآراء الانطباعية بالتحليل، ويُمنح لقب “خبير” لكل من يرفع صوته أكثر.

الركراكي، في المقابل، لم يخرج ليفضح أحداً، ولم يستثمر اللحظة لتصفية الحسابات. رسالته كانت أوضح من أي تصريح: الاستمرارية، التأهل، والنتائج. في مواجهة الكاميرون، كما في مباريات سابقة، قدّم المنتخب المغربي صورة فريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، دون بهرجة ولا شعارات فارغة. تلك هي “تمغربيت” في التدريب: عقل بارد، قرار محسوب، ونتيجة تُسكت الجدل.

وعندما لا يكون النقد نابعاً عن هوى شخصي، أو انطباع ذاتي، أو تحليل نمطي جاهز، أو تحامل عدائي، فلا ضير في أن يتبلور على قاعدة تراكم النتائج الإيجابية، من أجل صناعة الفرح الجماعي بالنصر المشترك. عندها فقط تستقيم الطريق نحو الارتقاء بالتحليل النقدي الرياضي إلى مستويات أرحب، قادرة على احتضان صُنّاع الفرجة، أولئك الذين يدخلون البهجة في قلوب المغاربة عقب كل فوز وانتصار. جميعهم، دون استثناء، يستحقون أن تُفتح لهم الأذرع، وأن يُحتفى بهم تحت العلامة الذهبية “تمغربيت”، بكل فخر واعتزاز.

اليوم، قد يصفق نفس المنتقدين، وغداً قد يعودون إلى نغمة التشكيك مع أول تعثر. لكن ما تغيّر فعلاً هو أن وليد الركراكي لم يعد مطالباً بإثبات شيء لأحد. مشروعه بات واضحاً، وشخصية المنتخب باتت ثابتة، ومن لا يرى ذلك، فمشكلته ليست مع المدرب… بل مع أدواته في الفهم.

في النهاية، كرة القدم لا تعترف بكثرة الكلام، بل بقوة العمل. ووليد الركراكي، مقابلة بعد أخرى، يبرهن أن “تمغربيت” ليست فقط في القميص، بل في القرار، وفي الصبر، وفي القدرة على الصمود أمام ضجيج من يعتقدون أنهم يفهمون كل شيء… حتى تُفاجئهم الحقيقة.