المغـرب: من يحمي فشل المليارات؟ ومن يحاسب بعد تقرير زينب العدوي؟

بعد تقرير زينب العدوي أمام البرلمان، لم يعد ممكناً الاستمرار في لغة “التحديات” و”الإكراهات” و”الظرفية الصعبة”. الأرقام كانت فاضحة بما يكفي، والوقائع صادمة بما يكفي، والسؤال اليوم لم يعد ماذا قال التقرير، بل: من يملك الشجاعة السياسية ليتحمل تبعاته؟

حين نعلم أن أقل من عشرة في المائة فقط من اتفاقيات تنموية وُقّعت تحت الرعاية الملكية تم تنفيذها فعلياً، وبغلاف مالي يتجاوز 184 مليار درهم، فإننا لا نكون أمام خلل تقني ولا تعثر عابر، بل أمام جريمة تدبير صامتة، لا تُرتكب بالسلاح ولا بالفضائح، بل بالتأجيل، والتسويف، وترك المشاريع تموت ببطء دون أن يُسأل أحد.

من وقّع هذه الاتفاقيات؟
من صادق على برامجها؟
من صرف الاعتمادات؟
ومن راقب؟
ومن فشل؟
والأهم: لماذا لم يُحاسَب أحد؟

في المغرب، يُدشَّن المشروع أمام الكاميرات، تُلتقط الصور، تُلقى الخطب، ثم يُغلق الملف سياسياً، وكأن التدشين نهاية القصة لا بدايتها. بعد ذلك، يدخل المشروع في منطقة رمادية، لا هو فشل معلن ولا هو نجاح فعلي، فقط بناية قائمة، أو منصة فارغة، أو مركز بلا روح، يُدرج لاحقاً ضمن “المنجزات” دون أن يخدم أحداً.

حين يكشف التقرير أن ما يقارب نصف المشاريع المتعثرة تعاني مشاكل في الاستغلال، فالسؤال هنا ليس لماذا تعثرت، بل: من صمّم مشاريع دون تصور للاستغلال؟
من بنى دون خطة تشغيل؟
من صرف المال العام دون تحديد مسؤوليات ما بعد الإنجاز؟
أليس هذا هو الفساد في أنقى أشكاله؟ فساد لا يسرق مباشرة، لكنه يترك المال يضيع عمداً.

الأخطر أن هذا السلوك لم يكن استثناءً ولا مرتبطاً بقطاع واحد. التعليم مثال صارخ: إصلاح بعد إصلاح، مخطط بعد مخطط، ميزانيات ضخمة، والنتيجة منظومة عاجزة عن تحقيق الإنصاف والجودة. التشغيل؟ برامج بأسماء جذابة، منصات، ملتقيات، شعارات، بينما البطالة تواصل الصعود. الشباب؟ مجالس، استراتيجيات، مبادرات، لكن الإحباط يتسع. المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟ فكرة نبيلة، لكن بعد أكثر من عشرين سنة، ما زال الأثر محدوداً مقارنة بما صُرف.

أين الخلل إذن؟
هل هو في الأفكار؟
أم في التمويل؟
أم في الدستور كما يروج البعض؟

الحقيقة المؤلمة أن الخلل ليس في النصوص، ولا في القوانين، ولا في الدستور. المغرب راكم دساتير متقدمة، خاصة دستور 2011، لكن ماذا فُعّل فعلاً؟ كم من مؤسسة منصوص عليها لم ترَ النور؟ كم من مقتضى دستوري بقي حبراً على ورق؟ وكم من مبدأ تم استدعاؤه في الخطاب وتجاهله في الممارسة؟

الدستور لم يكن يوماً المشكلة، المشكلة في من حوّله إلى واجهة سياسية بدل التزام ملزم.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا يتهم حكومة بعينها، لكنه يفضح منطقاً متجذراً في الدولة: منطق غياب الاستمرارية، منطق بداية الصفر مع كل ولاية، منطق اعتبار السياسات العمومية ملكاً حزبياً لا التزاماً وطنياً. هنا تُمحى البرامج السابقة، يُعاد تسويق نفس الأفكار بأسماء جديدة، وتُهدر سنوات من الزمن التنموي دون أي شعور بالذنب.

من يحمي هذا العبث؟
من يضمن الإفلات من المحاسبة؟
كيف يمكن أن تضيع مليارات الدراهم دون ترتيب أي أثر سياسي أو إداري؟
ولماذا يتحول تقرير رسمي بهذا الحجم إلى حدث عابر في دورة برلمانية ثم يُطوى؟

أخطر ما في هذا المسار ليس ضياع المال فقط، بل ضياع الثقة. ثقة المواطن في الدولة، في البرامج، في الوعود، في جدوى المشاركة. حين يرى المواطن أن المشاريع تُطلق ولا تكتمل، وأن الفشل لا يُحاسَب، وأن نفس الوجوه تُعاد تدويرها، فإنه يتعلم درساً واحداً: أن الجدية استثناء، وأن العبث هو القاعدة.

اليوم، المغرب لا يحتاج إلى برامج جديدة، ولا إلى شعارات أكبر، ولا إلى منصات إضافية. يحتاج إلى سؤال بسيط لكنه مؤلم: من فشل؟ ولماذا ما زال في موقع القرار؟
ويحتاج قبل ذلك إلى قرار شجاع: إيقاف النزيف، ربط المسؤولية بالمحاسبة فعلياً، لا خطابياً، وتحويل التقارير من وثائق أرشيفية إلى أدوات مساءلة حقيقية.

غير ذلك، سيبقى المغرب يدشّن أكثر مما ينجز، ويخطط أكثر مما ينفذ، ويصرف أكثر مما يحصد… وسيبقى الفساد الصامت أخطر من الفساد المعلن، لأنه لا يثير الغضب، لكنه يسرق المستقبل بدم بارد.