السنغال بين نهائي المغرب ومونديال 2026.. عندما فرضت القوانين ما عجزت عنه الاحتجاجات

الوطن24/ خاص
أعاد خروج المنتخب السنغالي من كأس العالم 2026 أمام بلجيكا، بعد ركلة جزاء احتُسبت في الدقيقة الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، فتح نقاش قديم حول طريقة التعامل مع القرارات التحكيمية الحاسمة، لكنه كشف في الوقت ذاته مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها.
ففي الوقت الذي أثار فيه قرار الحكم، بعد العودة إلى تقنية الفيديو (VAR)، موجة غضب كبيرة داخل صفوف المنتخب السنغالي، لم نشهد هذه المرة أي انسحاب أو رفض لاستكمال المباراة، رغم أن القرار جاء في لحظة قاتلة أنهت عمليًا حلم التأهل إلى الدور الموالي. احتج اللاعبون، عبّروا عن رفضهم، ثم واصلوا اللعب حتى صافرة النهاية، في مشهد يعكس احترامًا واضحًا لقوانين المنافسة وللسلطة التحكيمية داخل الملعب.
هذه الصورة تختلف بشكل كبير عن تلك التي ما زالت عالقة في أذهان المتابعين منذ نهائي كأس إفريقيا للأمم الذي احتضنه المغرب، عندما تحولت الاحتجاجات على بعض القرارات التحكيمية إلى أزمة رياضية وقانونية أثارت الكثير من الجدل داخل القارة الإفريقية وخارجها.
اليوم، وأمام قرار لا يقل حساسية من حيث تأثيره على نتيجة المباراة، اختارت السنغال مسارًا مختلفًا. لم تغادر أرضية الملعب، ولم تدخل في مواجهة مفتوحة مع المنظمين أو الحكام، بل قبلت بالأمر الواقع واحتكمت إلى القوانين المنظمة للمنافسة، رغم مرارة الإقصاء وقسوة التوقيت.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا بدا احترام القرارات التحكيمية أكثر وضوحًا في كأس العالم مما كان عليه في مناسبات سابقة؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف السياق، أم بإدراك أن قوانين اللعبة تبقى فوق الجميع مهما كانت مكانة المنتخب أو حجم الرهانات؟
واللافت أن هذه المباراة أعادت إلى الواجهة سلوكًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي طبع بعض المحطات السابقة. فالنخبة الكروية نفسها التي احتجت بشدة على قرارات تحكيمية في نهائي كأس إفريقيا بالمغرب، وجدت نفسها أمام موقف مشابه في مونديال 2026 بعد قرار حاسم اتُّخذ في اللحظات الأخيرة من المباراة. غير أن رد الفعل هذه المرة كان مختلفًا، حيث اختار اللاعبون استكمال اللقاء والاحتكام إلى القوانين المنظمة للمنافسة.
ولعل ما تكشفه هذه النهاية أن كرة القدم، مهما اشتدت فيها الخلافات والاحتجاجات، تبقى محكومة بقواعد واحدة لا تميّز بين منتخب وآخر. فالهزيمة التي تلقاها المنتخب السنغالي أمام بلجيكا قد تشكل محطة للمراجعة وإعادة التقييم، بعيدًا عن خطابات التصعيد والتشكيك، وفي اتجاه ترسيخ قيم التنافس الرياضي واحترام المؤسسات والقوانين التي تؤطر اللعبة. فالمنافسات الكبرى لا تُحسم بالضغط أو الجدل، بل بما يُقدَّم داخل المستطيل الأخضر وبالقدرة على تقبل نتائج الملعب مهما كانت قاسية.
الواقع أن كرة القدم الحديثة أصبحت أكثر صرامة في التعامل مع كل ما من شأنه التأثير على سير المباريات أو المساس بسلطة الحكام. ومع تطور التكنولوجيا واعتماد تقنية الفيديو، لم يعد الجدل ينتهي عند صافرة النهاية، بل أصبح يمتد إلى منصات التحليل ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. غير أن الاعتراض على القرارات شيء، ورفض استكمال المنافسة شيء آخر.
لقد أثبتت مباراة بلجيكا والسنغال أن المنتخبات، مهما اختلفت مواقفها من القرارات التحكيمية، تبقى مطالبة بالاحتكام إلى القوانين نفسها. فإما أن تكون هذه القوانين مقبولة عندما تصب في مصلحة الجميع، أو أن تكون ملزمة للجميع عندما تأتي بنتائج مؤلمة.
ولعل الدرس الأبرز من هذا المشهد أن قوة المنتخبات لا تُقاس بقدرتها على ممارسة الضغط أو التصعيد عند الخلاف، بل بقدرتها على التنافس حتى اللحظة الأخيرة داخل حدود القانون والروح الرياضية. فالاحتجاج حق مشروع، أما احترام قواعد اللعبة فهو واجب لا يقبل الانتقاء.
خرجت السنغال من المونديال، لكن ما حدث في الدقائق الأخيرة من المباراة بعث برسالة واضحة إلى كل المتابعين: في النهاية، لا أحد أكبر من القانون، ولا أحد يملك حق اختيار متى يطبقه ومتى يعترض عليه. وهذا ربما هو الدرس الحقيقي الذي فرضته كرة القدم العالمية، بعدما عجزت عنه كل النقاشات والاحتجاجات السابقة.
