المغرب أمام أخطر موجة هجرة نحو سبتة… لماذا يغامر آلاف الشباب بحياتهم رغم رهانات التنمية؟

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم تكن الصور القادمة من محيط مدينة سبتة المحتلة مجرد مشاهد عابرة، بل كانت صرخة إنسانية هزت ضمير المغاربة. آلاف الشباب يتدفقون نحو البحر، وأطفال يبكون بين أذرع أمهاتهم، وآباء يحملون أبناءهم وهم يركضون بين الصخور والأسلاك الشائكة، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها جزء من المجتمع.
هذه الصور لا تروي فقط قصة محاولة هجرة غير نظامية، بل تطرح سؤالًا أكبر وأكثر إيلامًا: كيف أصبح البحر، بكل مخاطره، أقرب إلى أحلام آلاف الشباب من وطنهم؟
فحين يختار شاب أن يواجه الأمواج، وهو يعلم أن النهاية قد تكون غرقًا أو اعتقالًا أو ترحيلًا، فإن القضية تتجاوز محاولة عبور الحدود، لتصبح رسالة اجتماعية واقتصادية وسياسية تستحق التوقف عندها.
الأكثر إيلامًا أن المشهد لم يعد يقتصر على الشباب، بل امتد إلى الأطفال والرضع والنساء، وهو ما يمنح هذه الموجة بعدًا إنسانيًا غير مسبوق، ويجعل من الضروري إعادة طرح الأسئلة التي يتجنبها الجميع: ماذا يقع في المغرب؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
وتأتي هذه الأحداث في وقت يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، ويستعد لاستحقاقات سياسية وانتخابية، ويعزز حضوره الاقتصادي والقاري، وهو ما يجعل التناقض بين صور التنمية وصور الهجرة موضوعًا للنقاش داخل الرأي العام.
ولا يمكن اختزال الظاهرة في المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن تفسيرها بسبب واحد فقط، إذ تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، إلى جانب تأثير شبكات الهجرة غير النظامية، وتطلعات الشباب إلى مستقبل يرونه أكثر إشراقًا خارج حدود الوطن.
وبين مؤشرات النمو الاقتصادي، وما تحقق من استثمارات كبرى في الصناعة والبنيات التحتية والطاقات المتجددة، وبين استمرار تحديات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل بالنسبة إلى فئات من الشباب، تتجدد الأسئلة حول كيفية جعل ثمار التنمية أكثر حضورًا في الحياة اليومية للمواطن.
إن صور سبتة ليست مجرد خبر عابر، بل مرآة تعكس واقعًا يحتاج إلى قراءة هادئة ومسؤولة، وحوار وطني صريح يشارك فيه الجميع، لأن الأوطان لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها الكبرى، بل بقدرتها على أن تجعل أبناءها يتمسكون بها، ويؤمنون بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخلها.
اليوم، لا يحتاج المغرب إلى الاكتفاء بقراءة هذه الصور بوصفها أحداثًا موسمية، بل إلى التعامل معها باعتبارها رسالة إنسانية واجتماعية تستحق الإنصات. فكل طفل ظهر في تلك المشاهد، وكل شاب خاطر بحياته، يطرح السؤال نفسه: كيف نحول الأمل في الوطن إلى واقع، حتى لا يصبح البحر هو الطريق الوحيد الذي يراه البعض نحو المستقبل؟
