صور سبتة تهز صورة المغرب أمام العالم… من يحاسب قبل فوات الأوان؟

الوطن24 – هيئة التحرير
لم تكن مشاهد الآلاف من الشباب المغاربة وهم يتدفقون نحو سبتة المحتلة مجرد حدث أمني عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام دولية، بعدما تناقلت وسائل إعلام عالمية صور رجال ونساء وأطفال يخاطرون بحياتهم بحثًا عن فرصة للعيش أو العلاج أو مستقبل يرونه أفضل خارج حدود وطنهم.
إنها صور مؤلمة، لا لأنها تكشف فقط حجم معاناة آلاف الأسر المغربية، بل لأنها جاءت في لحظة يراهن فيها المغرب على تعزيز صورته الدولية، ويواصل استعداداته لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، ويقدم نفسه كنموذج للاستقرار والإصلاح في المنطقة.
لكن، وفي المقابل، كانت صور سبتة تحمل رسالة أخرى؛ رسالة تقول إن التنمية، مهما كانت إنجازاتها، تظل ناقصة إذا لم يشعر المواطن البسيط بثمارها في حياته اليومية.
ماذا يجري في المغرب؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كيف وصل هؤلاء إلى سبتة؟ بل: لماذا قرروا المخاطرة بحياتهم أصلًا؟
حين يختار آلاف الشباب البحر، وهم يدركون أن النهاية قد تكون الغرق أو الاعتقال أو الترحيل، فهذا يعني أن هناك أسئلة عميقة تحتاج إلى إجابات، وأن التعامل مع الظاهرة من زاوية أمنية فقط لن يكون كافيًا.
لقد حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والاستثمار، والدبلوماسية، والرياضة، غير أن جزءًا من الشباب لا يزال ينتظر أن تترجم هذه الإنجازات إلى فرص عمل، وتحسين للقدرة الشرائية، وعدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وأفق يمنحه الثقة في المستقبل.
الحكومة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية
هذه المشاهد تفرض على الحكومة أكثر من أي وقت مضى أن تقدم للرأي العام تقييمًا واضحًا للسياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل، والإدماج الاجتماعي، والتنمية المجالية، وأن تفسر للرأي العام أسباب استمرار مثل هذه الظواهر رغم البرامج والإصلاحات المعلنة.
فالمغاربة لا ينتظرون تبادل الاتهامات، ولا الاكتفاء ببلاغات ظرفية، بل ينتظرون حلولًا عملية، ومصارحة حقيقية، وربطًا فعليًا للمسؤولية بالمحاسبة.
وفي أكثر من خطاب، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على أن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن، وعلى ضرورة الجدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسريع تنفيذ المشاريع، وتحقيق العدالة المجالية، وجعل المواطن محور كل السياسات العمومية.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى ترجمة هذه التوجيهات الملكية إلى نتائج ملموسة يشعر بها الشباب في مختلف مناطق المملكة.
المحاسبة قبل المغادرة
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يبرز سؤال مشروع: هل ستخضع حصيلة هذه المرحلة لتقييم ومحاسبة سياسية حقيقية؟
ففي الأنظمة الديمقراطية، تشكل المحاسبة إحدى ركائز تدبير الشأن العام، لأنها تمكن من تقييم البرامج، وتصحيح الاختلالات، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن شماعات، بل فتح نقاش وطني مسؤول حول أسباب هذه الظاهرة، وتقييم السياسات العمومية بموضوعية، واستخلاص الدروس، حتى لا تتكرر هذه المشاهد المؤلمة.
صورة المغرب مسؤولية الجميع
لقد أصبح العالم قرية صغيرة، ولم تعد الأحداث المحلية تبقى داخل الحدود. فكل صورة تنتشر، وكل مقطع فيديو، يؤثر في الصورة التي تتشكل عن المغرب في الخارج، إلى جانب ما يحققه من نجاحات في الرياضة، والدبلوماسية، والاستثمار، والسياحة.
ولهذا، فإن حماية صورة المغرب لا تكون فقط بحملات التواصل، بل بمعالجة الإشكالات التي تكشفها هذه الصور، والاستجابة لتطلعات المواطنين، حتى يصبح الوطن فضاءً للأمل، لا محطة يفكر أبناؤه في مغادرتها.
إن ما وقع في سبتة يجب ألا يُقرأ كخبر ينتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، بل كرسالة قوية تستوجب وقفة وطنية مسؤولة، لأن الأوطان تبنى بالثقة، والعدالة، والإنصات للمواطن، وبالقدرة على تحويل الطموحات الكبرى إلى واقع يلمسه الجميع.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى مصارحة، وإلى تقييم، وإلى محاسبة، لأن بناء المستقبل لا يكون بإخفاء الأسئلة، بل بالجرأة في مواجهتها، والعمل على تقديم حلول عملية تعزز ثقة المواطن في وطنه ومؤسساته.
