حين تسبق الأحزابُ صناديقَ الاقتراع: من يتحمل مسؤولية صناعة المرشحين في المغرب؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، وما سيتلو الانتخابات التشريعية من انتخابات جماعية ومهنية وغيرها، يعود النقاش حول الانتخابات إلى الواجهة باعتبارها الآلية القانونية والديمقراطية التي يمر عبرها الانتداب الشعبي، وتتشكّل من خلالها المؤسسات والهيئات التي تساهم في إنتاج السياسات العمومية والتشريع وتدبير الشأن الترابي والمهني.

في الشكل، تبدو العملية واضحة: قانون ينظم، وأحزاب ترشح، ومواطنون يصوتون، وصناديق تفرز النتائج.

لكن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط.

إنها تبدأ قبل ذلك بكثير: يوم تختار الأحزاب من ستضع أسماءهم أمام الناخبين.

وهنا تكمن إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش العمومي في المغرب اليوم.

فإذا كان المواطن هو الذي يضع صوته في الصندوق، فإن الأحزاب هي التي تضع المرشحين على ورقة التصويت.

ومن ثم، فإن مسؤولية صناعة التمثيلية لا تقع على الناخب وحده.

السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو:

الجواب، في تقديري، هو: لا.

فالقانون يحدد شروط الأهلية وموانع الترشح، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن المسؤولية السياسية والأخلاقية للأحزاب.

قد يكون شخص ما غير ممنوع قانونا من الترشح في مرحلة معينة، ومع ذلك يكون اختياره سياسيا موضع مساءلة، خصوصا إذا كانت حوله شبهات جدية، أو قضايا فساد، أو أحكام قضائية نهائية، أو تضارب واضح في المصالح، أو ارتباطات تجعل استقلالية القرار العمومي موضع شك.

وهنا يجب التمييز بدقة بين من صدرت في حقه أحكام قضائية نهائية، وبين من هو فقط متابع أو متهم ولم تثبت مسؤوليته قضائيا.

فقرينة البراءة مبدأ لا يجوز المساس به.

لكن احترام قرينة البراءة لا يعني إسقاط المسؤولية السياسية عن الحزب الذي يختار مرشحا تحيط به مؤشرات خطيرة أو تضارب مصالح أو وقائع تثير أسئلة مشروعة لدى الرأي العام المغربي.

حين يقدم حزب سياسيا للناخبين، فإنه لا يقدم مجرد شخص.

إنه يقدم مشروعا، وصورة، وقيمة، ونموذجا للتمثيلية.

ومن يترشح باسم حزب لا يدخل المنافسة بصفته الفردية وحدها، بل يحمل معه اسم الحزب وبرنامجه وخطابه ومصداقيته.

ولهذا يصبح اختيار المرشحين جزءا من المسؤولية السياسية للحزب.

فلا يستقيم أن ترفع الأحزاب في المغرب شعارات النزاهة ومحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة، ثم تتحول عند لحظة الترشيحات إلى منطق مختلف تحكمه الحسابات الانتخابية الضيقة، أو القدرة على الإنفاق، أو النفوذ، أو شبكات المصالح.

التناقض بين الخطاب والممارسة أخطر من ضعف الخطاب نفسه؛ لأنه يحول المبادئ إلى مجرد شعارات موسمية.

من أخطر الاختلالات التي تهدد العملية الانتخابية في المغرب أن يصبح المال عاملا حاسما في صناعة المرشحين وفي بناء النفوذ السياسي.

فالمال عندما يدخل السياسة بلا ضوابط أخلاقية حقيقية قد يتحول من وسيلة إلى سلطة.

وعندما تجتمع الثروة والنفوذ السياسي والموقع المؤسساتي، يصبح الخطر أكبر:

من يملك المال قد يشتري النفوذ، ومن يملك النفوذ قد يحمي مصالح المال، ومن هنا تبدأ دائرة تعارض المصالح.

وهذا لا يعني اتهام كل مرشح ميسور أو كل رجل أعمال بالفساد؛ فذلك تعميم غير مقبول.

المقصود هو ضرورة الفصل الصارم بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وبين المال الخاص واستعمال النفوذ العمومي، وبين المنافسة السياسية المشروعة وتحويل الانتخابات إلى سوق للولاءات والمصالح.

ومن الظواهر التي تستحق مساءلة سياسية عميقة أيضا ظاهرة الترحال السياسي.

حين ينتقل المنتخب من حزب إلى آخر لا بسبب اختلاف حقيقي في البرامج أو المبادئ، وإنما بحثا عن موقع أو نفوذ أو ترشيح أو مصلحة انتخابية، فإن الأمر يتجاوز الشخص نفسه.

إنه يمس صورة العمل الحزبي ويضرب الثقة في معنى الاختيار السياسي.

والسؤال هنا لا ينبغي أن يوجه إلى المنتخب وحده.

بل يجب أن يوجه أيضا إلى الحزب الذي يستقبله ويمنحه التزكية.

إذا كان الحزب يندد بالترحال عندما يخسره، ثم يرحب بالمرحل عندما يلتحق به، فإن المشكلة ليست في الترحال وحده؛ بل في الثقافة السياسية التي تجعل منه ممارسة مقبولة عندما تخدم المصلحة الانتخابية.

وهنا تتحمل الأحزاب جزءا أساسيا من المسؤولية عن إعادة إنتاج الظاهرة داخل المشهد السياسي المغربي.

هناك خلط ينبغي وضع حد له.

المسؤولية الجنائية شيء، والمسؤولية السياسية شيء آخر.

قد لا يكون الشخص ممنوعا قانونا من الترشح، وقد لا يكون قد صدر في حقه حكم نهائي، ومع ذلك يحق للمجتمع أن يسأل الحزب:

والحزب الجاد لا ينتظر دائما تدخل القضاء لكي يمارس مسؤولية سياسية وأخلاقية.

فالمطلوب من الحزب ليس فقط أن يسأل:

هل يستطيع هذا الشخص قانونا أن يترشح؟

بل أن يسأل أيضا:

هل يستحق ثقة المواطنين؟

هل تتلاءم سيرته مع خطاب الحزب؟

هل توجد حوله شبهات أو تضارب مصالح يضر بصورة الحزب؟

هل يمكنه ممارسة الانتداب باستقلالية؟

هل سيكون قادرا على الدفاع عن المصلحة العامة، أم أن موقعه سيظل مرتبطا بشبكة من المصالح الخاصة؟

هذه الأسئلة ليست ترفا.

إنها جزء من معنى المسؤولية السياسية.

من الخطأ تحميل الناخب وحده مسؤولية إفراز نخب سياسية ضعيفة أو مشبوهة.

فالناخب يختار من بين الخيارات التي تقدم له.

أما صناعة هذه الخيارات فتبدأ داخل الأحزاب.

ولهذا فإن إصلاح الانتخابات في المغرب لا ينبغي أن يقتصر على يوم الاقتراع، ولا على مراقبة الصناديق، ولا على ضمان سلامة عملية التصويت.

الإصلاح يبدأ من مصدر الترشيح نفسه.

من يختار؟

وفق أي معايير؟

هل التزكية نتيجة مسار ديمقراطي داخلي؟

هل تحكمها الكفاءة والنزاهة والاستقامة؟

أم تتحكم فيها القدرة المالية، والولاءات، والجاهزية الانتخابية، وشبكات النفوذ؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش السياسي المغربي.

الانتخابات تمنح الشرعية الديمقراطية، لكنها لا تمنح صك براءة أخلاقيا لكل ممارسة تسبقها.

فالصندوق لا يمحو تضارب المصالح.

ولا يحول الفساد إلى نزاهة.

ولا يحول الاستبداد المحلي إلى ديمقراطية.

ولا يجعل المال السياسي عملا مشروعا بمجرد أن صاحبه حصل على أصوات.

الديمقراطية ليست فقط أن يفوز الشخص بالأصوات؛ بل أن تكون الطريق إلى الفوز نفسها سليمة، وأن يكون المرشح جديرا بالثقة التي يطلبها من المواطنين.

ومن هنا فإن مسؤولية الأحزاب تصبح مضاعفة، لأنها الحارس الأول لبوابة الترشيح.

المواطن الواعي في المغرب لا ينبغي أن يسأل المرشح فقط:

بل ينبغي أن يسأله أيضا:

وهذه الأسئلة هي التي تنقل الانتخابات من مجرد منافسة على المقاعد إلى اختبار حقيقي للوعي السياسي.

فالانتخاب لا ينبغي أن يكون لحظة عاطفية أو مناسبة لرد الجميل أو شراء الولاء، وإنما قرارا يتعلق بمستقبل المدينة والجماعة والإقليم والوطن.

المسؤولية هنا متعددة.

هناك مسؤولية قانونية تضبطها النصوص.

وهناك مسؤولية قضائية تحددها المحاكم.

وهناك مسؤولية انتخابية تقع على الناخب.

لكن هناك أيضا مسؤولية سياسية تتحملها الأحزاب.

وهذه الأخيرة كثيرا ما يتم التغاضي عنها.

فإذا كان الحزب يعرف تاريخ مرشحه، ويعرف علاقاته، ويعرف مصالحه، ويعرف مواقفه، ويعرف الوقائع المحيطة به، ثم يمنحه التزكية رغم كل ذلك، فلا يجوز بعد ظهور النتائج أن يختبئ خلف عبارة:

فالناخب اختار من قدمه الحزب.

ومن هنا تبدأ المسؤولية السياسية.

نحن في المغرب أمام محطة انتخابية لا ينبغي أن تختزل في السؤال التقليدي:

بل يجب أن يكون السؤال الأهم:

إن مستقبل المؤسسات المنتخبة لا يتحدد يوم إعلان النتائج فقط.

إنه يتشكل في الأيام والأسابيع والأشهر التي تسبقها، داخل مقرات الأحزاب، وفي اجتماعات التزكية، وفي لحظة اتخاذ القرار بشأن الأسماء التي ستوضع أمام المواطنين.

ولهذا فإن مواجهة الفساد السياسي لا تبدأ فقط من البرلمان أو الجماعات أو الغرف المهنية.

إنها تبدأ من بوابة الترشيح.

ومن يريد فعلا تخليق الحياة السياسية، فعليه أن يبدأ من هنا.

لا يكفي أن نقول للمواطن:

بل ينبغي أن نقول للأحزاب أيضا:

ولا يكفي أن نحاسب المنتخب بعد وصوله.

علينا أن نسأل الحزب قبل وصوله:

الانتخابات آلية ديمقراطية، لكن الديمقراطية لا تختزل في الآلية.

والقانون ضروري، لكنه لا يعفي من المسؤولية السياسية والأخلاقية.

والحزب ليس مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل مؤسسة يفترض أن تساهم في صناعة النخب وتأطير المواطنين وإنتاج البدائل.

فإذا تحولت التزكية إلى وسيلة لإعادة إنتاج أصحاب النفوذ، أو أصحاب المال، أو المتورطين في تضارب المصالح، أو من ثبتت في حقهم قضائيا أفعال فساد، فإن الخلل لا يكون في الصندوق وحده، بل في المنظومة التي صنعت الاختيار قبل الوصول إليه.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الفساد بعد وقوعه.

المرحلة المقبلة يمكن أن تكون مناسبة لإعادة تعريف معنى الانتداب السياسي في المغرب.

نريد انتخابات تنتج ممثلين لا متنفذين.

ونريد أحزابا تصنع النخب لا شبكات المصالح.

ونريد مرشحين يحملون مشروع المواطن لا مشروع الذات.

ونريد صناديق اقتراع تمنح الشرعية لمن يستحقها، لا أن تتحول إلى محطة لإعادة تدوير النفوذ.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا على الأحزاب والمواطنين معا هو:

لأن تغيير الوجوه وحده لا يصنع التغيير.

أما تغيير معايير الاختيار، فهو بداية التغيير الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *