المغـرب: أربعون يوماً بلا مجلس للحكومة.. هل ابتلعت انتخابات 23 شتنبر ما تبقى من ولاية أخنوش؟

منذ آخر اجتماع لمجلس الحكومة المغربية المنعقد يوم 22 يوليوز 2026، دخلت اجتماعات المؤسسة التنفيذية في فترة صمت امتدت لنحو أربعين يوماً، في وقت يعيش فيه المغرب واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد توقف صيفي عادي، لكن توقيته وطول مدته يفتحان الباب أمام أسئلة سياسية ومؤسساتية لا يمكن تجاهلها.

فالمادة 14 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها تنص على أن مجلس الحكومة يعقد مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، إلا إذا حال مانع من ذلك.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة.

إذا كان هناك مانع فعلاً، فما طبيعة هذا المانع؟

وإذا كانت العطلة الصيفية هي السبب، فهل تكفي وحدها لتفسير توقف الاجتماعات لهذه المدة؟ ولماذا لم تقدم رئاسة الحكومة توضيحاً رسمياً للرأي العام حول أسباب هذا التوقف؟

المثير في القضية ليس فقط غياب اجتماع مجلس الحكومة، وإنما أن هذا الغياب يأتي في ظرف لا يسمح بسهولة بتجاهل الأسئلة.

فالمغرب مقبل على انتخابات تشريعية ستعيد تشكيل الخريطة السياسية للمرحلة المقبلة، فيما تعيش الأحزاب على إيقاع الترشيحات والتزكيات والتحالفات والصراعات الداخلية.

وفي المقابل، يفترض أن تظل الحكومة منشغلة بتدبير الملفات التي تهم المواطنين، من الأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل والاستثمار إلى الماء والمالية العمومية وغيرها من الملفات التي لا تتوقف عقاربها بمجرد حلول العطلة الصيفية.

بل إن آخر اجتماع لمجلس الحكومة، في 22 يوليوز، تناول ملفات ذات امتداد زمني مهم، من بينها تنفيذ قانون المالية لسنة 2026، وإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، والبرمجة الميزانياتية للسنوات المقبلة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

لا أحد يجادل في أن الوزراء والمسؤولين لهم الحق في الاستفادة من العطلة.

لكن الحكومة ليست مجرد مجموعة أشخاص يأخذون عطلتهم في التوقيت نفسه؛ إنها مؤسسة دستورية يفترض أن تضمن استمرارية المرفق العام وانتظام العمل التنفيذي.

ولهذا فإن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام مسبق للحكومة بخرق القانون، لأن المادة 14 نفسها تضع استثناءً واضحاً بعبارة «إلا إذا حال مانع من ذلك».

لكن السؤال المشروع هو:

وإذا كان موجوداً، لماذا لم يتم الكشف عنه؟

وهل تم اتخاذ ترتيبات خاصة لضمان استمرار التداول الحكومي خلال هذه الفترة؟

ثم، والأهم:

في الوقت الذي ظل فيه مجلس الحكومة بعيداً عن موعده الأسبوعي، دخلت الأحزاب المغربية عملياً مرحلة العد التنازلي للانتخابات.

التزكيات تتحرك، المرشحون يستعدون، والتحالفات تعاد حساباتها، فيما تتصاعد المنافسة داخل الأغلبية نفسها.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة في المشهد الحالي:

لا يتعلق الأمر بمنع الوزراء من ممارسة أنشطتهم السياسية أو الحزبية، وإنما بالسؤال عن الأولويات.

هل الوزراء، في هذه المرحلة، يتحركون أولاً باعتبارهم أعضاء في حكومة مسؤولة عن تدبير شؤون المغاربة، أم باعتبارهم قيادات حزبية تستعد لمعركة انتخابية حاسمة؟

السؤال قد يكون مزعجاً، لكنه مشروع.

عزيز أخنوش، باعتباره رئيساً للحكومة، يوجد في قلب هذا النقاش.

فالمطلوب منه ليس فقط تدبير الملفات الحكومية، وإنما أيضاً ضمان انتظام عمل المؤسسة التنفيذية والتواصل مع الرأي العام عندما تبرز تساؤلات حول سيرها.

ولهذا فإن الأسئلة التي تنتظر جواباً واضحاً ليست كثيرة:

ثم هناك السؤال السياسي الأكثر حساسية:

لا يمكن فصل هذا الوضع عن المناخ السياسي الذي يسبق الانتخابات.

فمكونات الأغلبية الحكومية نفسها دخلت مرحلة شديدة الحساسية، مع اشتداد المنافسة على الترشيحات والمقاعد والدوائر الانتخابية.

وبينما يفترض أن تظهر الأغلبية كفريق سياسي متماسك في إدارة المرحلة الأخيرة من الولاية، بدأت الحسابات الانتخابية تفرض نفسها بقوة على المشهد.

وهنا يطرح السؤال نفسه:

وإذا كانت الانتخابات هي التي تحدد إيقاع التحرك السياسي، فهل يمكن أن يؤثر ذلك على القرارات الحكومية أو على سرعة معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية؟

قد تكون هناك أسباب موضوعية تبرر عدم انعقاد مجلس الحكومة خلال هذه الفترة.

وقد يكون الأمر بالفعل مرتبطاً بالعطلة الصيفية أو بترتيبات استثنائية.

لكن في كل الحالات، يبقى التواصل الرسمي هو المفتاح.

ففي السياسة، عندما يكون هناك تفسير واضح، ينتهي الجدل.

أما عندما يغيب التفسير، فإن مساحة التأويل تتسع.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعزيز أخنوش أو بحكومته، بل بصورة المؤسسات لدى المواطن المغربي.

فالمواطن يريد أن يعرف: هل تعمل الحكومة بالوتيرة نفسها؟ وهل القرارات تتخذ وتتابع وتنفذ بشكل طبيعي؟ أم أن الاستحقاق الانتخابي أصبح يفرض نفسه على أجندة السلطة التنفيذية؟

بعد نحو أربعين يوماً من آخر اجتماع موثق لمجلس الحكومة، لا يبدو أن السؤال سيختفي بمجرد مرور الوقت.

بل كلما اقترب المغرب من 23 شتنبر، ازدادت الحاجة إلى توضيح رسمي يضع حداً للتأويلات.

ليس المطلوب إصدار حكم مسبق، ولا إطلاق اتهامات سياسية مجانية.

المطلوب ببساطة هو تفسير مؤسساتي واضح.

لأن المادة 14 وضعت قاعدة للاجتماع الأسبوعي، ووضعت في الوقت نفسه استثناءً عندما يوجد مانع.

والرأي العام المغربي يريد أن يعرف فقط:

هل كان هناك مانع؟

وإذا كان الجواب نعم:

ما هو؟

أما إذا لم يكن هناك مانع، فالسؤال يصبح أكثر صعوبة:

لماذا غاب مجلس الحكومة طوال هذه المدة، بينما كانت البلاد تدخل تدريجياً في قلب المعركة الانتخابية؟

في انتظار الجواب، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات:

وبين الموعدين، هناك أربعون يوماً من الصمت الحكومي، وأسئلة كثيرة تنتظر جواباً من رئيس الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *