المغرب عشية انتخابات 23 شتنبر 2026.. من يحرك رقعة الشطرنج؟

لم يعد السؤال في المغرب، عشية الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، مجرد سؤال عن الحزب الذي سيفوز بأكبر عدد من المقاعد، أو عن الخريطة التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام انتخابات ستغير موازين المشهد السياسي، أم أمام عملية واسعة لإعادة ترتيب البيت الحزبي وتدوير الزوايا داخل موازين قائمة؟

تحولات في مواقع القيادة، انتقال شخصيات وازنة بين الأحزاب، رسائل متبادلة بين مكونات الأغلبية الحكومية، تصاعد في حدة الخطاب السياسي، وإعادة ترتيب واضحة لمواقع القوة؛ كلها مؤشرات تجعل المتابع أمام مشهد يستحق القراءة لا مجرد المتابعة.

والأمر اللافت أن هذه التحولات تحدث داخل المجال نفسه الذي حكمته الأغلبية الحالية خلال الولاية المنتهية، وبالأخص داخل محوري التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.

ففي فبراير الماضي، أنهى عزيز أخنوش عشر سنوات على رأس التجمع الوطني للأحرار، ولم يترشح لولاية ثالثة، وانتُخب محمد شوكي رئيساً للحزب. وقد قدم أخنوش الأمر باعتباره تداولاً تنظيمياً وتجديداً للقيادة، بينما قدّم الحزب الانتقال باعتباره دليلاً على نضج مؤسساته.

لكن السياسة لا تُقرأ دائماً بما تقوله البيانات وحدها.

ثم جاءت الخطوة الأكثر إثارة: انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وانضمامه إلى مكتبه السياسي، وترشحه للانتخابات التشريعية. وقد أعلن الحزب رسمياً هذه الخطوة في يوليوز الماضي.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

ليس السؤال اتهاماً لأحد، ولا تشكيكاً في حق أي مواطن في اختيار الحزب الذي يريد الانتماء إليه.

السؤال سياسي بامتياز:

من الناحية القانونية والسياسية، نعم، يمكن لأي شخصية أن تغير انتماءها الحزبي وفق القواعد المنظمة لذلك.

لكن من الناحية التحليلية، فإن توقيت القرار وموقع الشخصية والجهة التي انتقلت إليها تجعل من المشروع طرح أسئلة إضافية.

إنه وزير مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وشخصية ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بملفات ذات حضور وطني ودولي كبير.

ولذلك فإن انتقاله إلى حزب سياسي قبل أسابيع من الانتخابات لا يمكن أن يُقرأ فقط باعتباره انتقالاً تنظيمياً؛ بل هو أيضاً حدث ذو قيمة انتخابية ورمزية واستراتيجية.

والدليل أن قيادة الأصالة والمعاصرة نفسها تعاملت مع انضمامه باعتباره إضافة قوية للحزب، فيما صرّح عضو مكتبه السياسي العربي المحرشي بأن التحاق لقجع عزز قدرة الحزب على خوض الاستحقاقات المقبلة.

ومن هنا يمكن صياغة الفرضية الأولى:

فرضية التحول القيادي:
هل يجري إعداد حزب الأصالة والمعاصرة ليكون أحد المراكز الأساسية لإعادة تركيب الأغلبية الحكومية المقبلة؟

إذا كان الجواب نعم، فإن انتقال لقجع لا يكون مجرد انتقال فرد، وإنما جزءاً من عملية أكبر لإعادة توزيع الأدوار داخل المعسكر الحكومي.

أما إذا كان الجواب لا، وأن الأمر لا يتجاوز قراراً شخصياً، فإن الأيام والأسابيع المقبلة يفترض أن تكشف ذلك من خلال النتائج والمواقع التي ستفرزها الانتخابات.

البام… لماذا تبدو ولادته مختلفة عن الولادات الحزبية التقليدية؟

هناك مسألة أخرى لا يمكن تجاهلها.

حزب الأصالة والمعاصرة ليس حزباً عادياً من حيث تاريخ النشأة.

فقد ظهر سنة 2008 في سياق سياسي خاص، بعد تأسيس “حركة لكل الديمقراطيين”، ثم اندماج عدد من الأحزاب والشخصيات في المشروع الجديد. وكانت شخصية فؤاد عالي الهمة حاضرة بقوة في مرحلة التأسيس، وهو ما جعل ولادة الحزب مثار نقاش سياسي واسع منذ البداية.

وهذا التاريخ لا يعني، بأي حال، أن كل ما يقوم به الحزب اليوم محكوم بالضرورة بالماضي.

لكن التاريخ السياسي لا يُمحى.

بل إن أحد مفاتيح فهم أي حزب هو معرفة كيف ولد، وكيف توسع، وكيف غير قياداته، وكيف تعامل مع مراكز القوة، وكيف انتقل من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في الحكومة، وكيف يعيد اليوم ترتيب أوراقه.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح تاريخ البام مادة مهمة لفهم الحاضر، لا ذريعة لإطلاق أحكام مسبقة.

فالحزب عرف خلال فترة قصيرة نسبياً انتقالات قيادية وتحولات تنظيمية متكررة، جعلت مساره مختلفاً عن المسارات التراكمية للأحزاب المغربية التقليدية.

وهنا يظهر سؤال أكبر:

هل نحن أمام حزب يتطور طبيعياً بفعل التجربة السياسية، أم أمام حزب تتغير وظائفه السياسية تبعاً لتغير موازين القوة؟

لا يمكن الإجابة مسبقاً.

لكن السؤال مشروع.

هل نحن أمام إعادة تشكيل للأغلبية؟

قد تكون هذه هي الفرضية الأكثر أهمية.

الأغلبية الحالية تشكلت من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، لكن الانتخابات الجديدة قد تعيد ترتيب المواقع داخل هذه الخريطة.

وهنا تصبح المنافسة بين الأحرار والبام أكثر من مجرد منافسة انتخابية.

إنها منافسة على:

  • من يتصدر المشهد؟
  • من يقود الحكومة المقبلة؟
  • من يمتلك أكبر كتلة برلمانية؟
  • من يفرض شروط التحالف؟
  • ومن يتحول من شريك إلى قائد؟

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جزء من التراشق السياسي الذي بدأ يظهر قبل انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً.

فالانتخابات لا تبدأ يوم 10 شتنبر فقط؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير في تشكيل الصورة الذهنية للناخب.

وسط هذه التحولات، يبدو حزب العدالة والتنمية في موقع مختلف.

فالحزب الذي تصدر انتخابات 2016، قبل أن يتلقى هزيمة انتخابية قاسية في 2021، يدخل انتخابات 2026 وهو مطالب بالإجابة عن سؤال وجودي:

هل يستطيع العودة إلى قلب المعادلة؟

قد لا يحتاج الحزب إلى الفوز بالمرتبة الأولى حتى يغيّر المعادلة.

يكفي أن يحقق عودة قوية، وأن يستعيد جزءاً مهماً من رصيده الانتخابي، حتى يصبح رقماً يصعب تجاوزه في الحسابات اللاحقة.

وهنا تكمن أهمية العدالة والتنمية.

فإذا استطاع الحزب رفع عدد مقاعده بشكل كبير، فقد تتحول نتائج 23 شتنبر إلى مفاوضات جديدة تماماً.

أما إذا بقي بعيداً عن المنافسة، فإن ذلك سيعني أن مرحلة سياسية كاملة من تاريخ المغرب تكون قد انتقلت إلى موقع مختلف.

وبالتالي فإن السؤال ليس:

بل:

هل يستطيع البيجيدي أن يستعيد القدرة على التأثير في المعادلة؟

وهذا سؤال أكثر دقة.

ماذا عن الأحزاب الأخرى؟

الاختزال في الأحرار والبام والعدالة والتنمية قد يكون خطأً منهجياً.

فالاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، وغيرها من الأحزاب، قد تلعب أدواراً مختلفة في تشكيل الخريطة المقبلة.

وفي نظام لا يضمن بالضرورة لحزب واحد أغلبية مريحة، فإن عدد المقاعد الذي قد يبدو صغيراً في البداية يمكن أن يتحول إلى رقم حاسم في لحظة تشكيل الحكومة.

لذلك فإن قراءة الانتخابات ينبغي ألا تكون قراءة ترتيب فقط، وإنما قراءة لشبكة الاحتمالات بعد إعلان النتائج.

ومن يحرك المشهد من وراء الستار؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً.

فالسؤال مشروع.

لكن تحويله إلى إجابة جاهزة سيكون خطأً.

هل توجد مراكز نفوذ؟

نعم، لا يكاد يخلو أي نظام سياسي من مراكز تأثير ومصالح وشبكات اقتصادية وإعلامية واجتماعية.

هل توجد قوى ضغط؟

بالتأكيد.

المغرب دولة منفتحة على الاقتصاد العالمي، ولها علاقات استراتيجية واسعة، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتقاطع مصالح دولية وإقليمية مع السياسة والاقتصاد والأمن والدبلوماسية.

لكن القول بوجود قوة أجنبية تدير الانتخابات المغربية من وراء الستار يحتاج إلى أدلة، لا إلى الانطباعات.

وهنا يجب أن نميز بين:

التأثير الدولي والتحكم الأجنبي.

الأول ظاهرة طبيعية في العلاقات الدولية.

أما الثاني فاتهام يحتاج إلى أدلة قاطعة.

ومن ثم فإن الفرضية الأكثر موضوعية ليست: “من يحرك المغرب من الخارج؟”، وإنما:

إلى أي مدى تؤثر المصالح الدولية ومراكز الضغط الخارجية والاقتصادية والإعلامية في الخيارات السياسية الداخلية؟

وهذه فرضية قابلة للبحث والنقاش دون الوقوع في نظرية المؤامرة.

ربما.

لكن هناك احتمالاً آخر لا ينبغي إغفاله:

أن يكون ما يحدث مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل النخبة السياسية نفسها.

أي أن تتغير الوجوه، وتتغير المواقع، وتنتقل بعض الشخصيات من حزب إلى آخر، لكن تبقى البنية العامة للمشهد على حالها.

وهنا يظهر الفرق بين:

تغيير الخريطة السياسية

و

تغيير قواعد اللعبة السياسية.

الأول يمكن أن يحدث في انتخابات واحدة.

أما الثاني فيحتاج إلى تحول عميق في علاقة الأحزاب بالمجتمع، وفي استقلال القرار الحزبي، وفي إنتاج النخب، وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على صناعة السياسات العمومية.

يمكن، قبل 23 شتنبر، تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

تتصدر الأحزاب نفسها تقريباً، مع تغير في ترتيبها وعدد مقاعدها، فتتشكل أغلبية جديدة من داخل الخريطة الحالية.

في هذه الحالة يكون ما حدث خلال الأشهر الماضية إعادة ترتيب للبيت أكثر منه تغييراً للبيت.

إذا حقق الأصالة والمعاصرة نتائج قوية، فإن انتقال لقجع إليه سيبدو جزءاً من تحول أكبر، وقد يصبح الحزب مرشحاً جدياً لقيادة المرحلة الحكومية المقبلة.

لكن ذلك سيظل مرتبطاً بالنتائج وبالتحالفات، لا بالشخصيات وحدها.

إذا استطاع الحزب استعادة جزء مهم من قواعده الانتخابية، فقد يقلب جزءاً من الحسابات.

وقد لا يحتاج إلى تصدر الانتخابات حتى يصبح شريكاً ضرورياً في هندسة التحالفات.

وهذا هو السيناريو الذي قد يفاجئ كثيراً من المتابعين.

السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً

في النهاية، لا ينبغي أن تكون وظيفة الصحافة السياسية أن تخبر المواطن مسبقاً من سيفوز.

وظيفتها أن تساعده على فهم ما الذي يعنيه الفوز، وما الذي يعنيه الخسارة، وما الذي يقف وراء التحولات، وما الذي يمكن أن يتغير فعلاً بعد إعلان النتائج.

لذلك فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تُختزل في سؤال:

من سيكون رئيس الحكومة؟

بل ينبغي أن تسبق ذلك أسئلة أكثر عمقاً:

من يملك مشروعاً سياسياً؟

من يملك حزباً حقيقياً لا مجرد شبكة انتخابية؟

من يملك القدرة على إنتاج النخب؟

من يستطيع الانتقال من تدبير الانتخابات إلى تدبير الدولة؟

وهل نحن أمام تداول ديمقراطي حقيقي على السلطة التنفيذية، أم أمام إعادة ترتيب لموازين القوة داخل المجال نفسه؟

ربما يكون يوم 23 شتنبر هو يوم الاقتراع.

لكن الإجابة عن الأسئلة الحقيقية ستبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

فثمة فرق كبير بين أن تتغير أسماء اللاعبين وأن تتغير قواعد اللعبة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية انتخابات 2026.

فهي ليست فقط انتخابات لاختيار 395 نائباً.

إنها، في أحد وجوهها، اختبار لما إذا كان المغرب يدخل مرحلة جديدة من تطور حياته الحزبية والسياسية، أم أنه يعيد إنتاج المشهد نفسه بأسماء جديدة، وتحالفات جديدة، ووجوه جديدة.

والصندوق وحده، ثم ما سيأتي بعد الصندوق، هو القادر على تقديم الجواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *