المغرب: حين يصبح عصير النفايات أمام النوافذ أقوى من صوت المواطن

هناك أسئلة سياسية لا تحتاج إلى مناظرات تلفزيونية، ولا إلى برامج انتخابية طويلة حتى تجد طريقها إلى المواطن. يكفي أحياناً أن يقف الإنسان أمام نافذة منزله في عزّ الصيف، ويستنشق رائحة عصير النفايات، حتى يفهم الكثير عن معنى المسؤولية، وعن المسافة الفاصلة بين الحديث عن خدمة المواطن وممارسة هذه الخدمة على أرض الواقع.

في شارع عمر بن عبد العزيز، لم تعد قضية عصر النفايات مجرد تفصيل يومي عابر. فقد تحولت، وفق ما تعبر عنه الساكنة، إلى سؤال مفتوح في وجه كل من له علاقة بتدبير قطاع النظافة: من المسؤول المباشر عن تنفيذ الخدمة؟ ومن يراقب؟ ومن يملك سلطة التدخل والتصحيح عندما تتحول طريقة تنفيذ الخدمة إلى مصدر إزعاج للسكان؟

لقد سبق للساكنة أن اعترضت، وتحدثت، وعبرت عن استيائها من الطريقة التي يتم بها عصر النفايات أمام نوافذ المنازل، خصوصاً خلال فترات الحر، حين تصبح الروائح المنبعثة منها أكثر حدة وإزعاجاً للأسر.

ومع استمرار هذا الوضع، يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:

والأكثر إثارة للتساؤل أن المسؤولين عن هذا القطاع، ومن بينهم السيد عبد الكريم الشرقاوي، لم يقدموا، حسب المعطيات المتداولة محلياً، جواباً واضحاً للرأي العام حول هذه الوضعية.

هل ما يحدث يدخل ضمن الطريقة المعتمدة في تدبير خدمة النظافة؟

ومن يحدد أماكن عصر النفايات؟

ومن يراقب احترام دفتر التحملات وشروط تنفيذ الخدمة؟

ومن يتدخل عندما يشعر المواطن بأن مصالحه تتضرر من طريقة تقديم خدمة عمومية؟

هذه الأسئلة لا تستهدف عاملاً أو سائقاً بعينه، ولا تعني بالضرورة تحميل شخص محدد مسؤولية الوضع، وإنما تتجه أساساً إلى منظومة التدبير والمراقبة والمسؤولية.

فالساكنة لم تنتخب سائق الشاحنة لكي يقرر وحده كيف وأين ومتى يتم التعامل مع النفايات. وإذا كان السائق، كما تقول الساكنة، يتصرف وفق ما يراه مناسباً، رغم اعتراضات المواطنين، فإن السؤال يصبح أكبر من تصرف فردي:

من أعطى التعليمات؟ ومن يراقب تنفيذها؟ ومن يتدخل عندما تتعارض طريقة تنفيذ الخدمة مع مصالح السكان؟

وهنا تبرز أهمية المسؤولية المؤسساتية في المغرب.

فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد الشاحنات أو العمال، ولا بحجم الصفقات والاعتمادات المرصودة لقطاع النظافة، وإنما تقاس أيضاً بقدرة المؤسسات المنتخبة والإدارة المكلفة بالمراقبة على ضمان جودة الخدمات واحترام المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

المواطن لا يطلب المستحيل.

لا يريد مدينة بلا مشاكل، ولا شوارع مثالية، ولا خدمات خارقة.

إنه يريد فقط ألا تتحول نافذة منزله إلى نقطة لعصير النفايات، وألا يصبح فتح النافذة في أيام الحر مناسبة لاستقبال الروائح الكريهة، وألا يشعر بأن شكواه لا قيمة لها أمام موظف أو سائق أو مسؤول.

المغرب مقبل على استحقاقات انتخابية، وستبدأ الأحزاب والمرشحون في البحث عن المواطن. ستفتح الأبواب، وستُرفع الشعارات، وستُقدم الوعود، وسنسمع كثيراً عن خدمة المواطن، والعدالة المجالية، وتحسين جودة الحياة، والقرب من السكان.

لكن قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع، ربما ينبغي أن يطرح سؤالاً أكثر بساطة وصرامة:

فالمواطن الذي لا يجد من يسمع شكواه بشأن النظافة، أو الإنارة، أو الطرق، أو النقل، أو الخدمات الأساسية، قد يجد نفسه أمام سؤال أكبر:

لماذا يُطلب منه أن يتذكر الأحزاب يوم الانتخابات، بينما يشعر أحياناً أن بعض المنتخبين والمسؤولين لا يتذكرون المواطن إلا عندما يحتاجون إلى صوته؟

والمواطن لا ينبغي أن يمنح صوته بناءً على صورة انتخابية، أو خطاب عابر، أو وعود موسمية، بل بناءً على سؤال أكثر صرامة:

إن قضية شارع عمر بن عبد العزيز، مهما بدت صغيرة في نظر البعض، تحمل دلالة أكبر من حجمها.

فالسياسة تبدأ أحياناً من المكان الذي تُجمع فيه النفايات، ومن الرصيف الذي لا يصلح، ومن المصباح الذي لا يضيء، ومن الطريق التي تحتاج إلى إصلاح، ومن الشكوى التي لا تجد جواباً.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل من له علاقة بتدبير قطاع النظافة واضح:

وإذا كانت المسؤولية موزعة بين أكثر من جهة، فإن ذلك لا يعني أن المسؤولية غير موجودة.

بل يعني أن على كل جهة أن تحدد للرأي العام بوضوح: ما الذي يدخل في اختصاصها، وما الذي قامت به لمعالجة المشكلة.

أما الصمت، فإنه لا يحل المشكلة.

والأخطر من رائحة النفايات هو أن تصبح رائحة اللامبالاة أقوى منها.

وفي النهاية، قد يكون من المفيد لكل من يستعد لخوض الانتخابات أن يمر من شارع عمر بن عبد العزيز، لا في موكب انتخابي، ولا أمام الكاميرات، وإنما كما يمر المواطن العادي.

فليتوقف قليلاً.

وليستمع إلى السكان.

وليرَ أين تُعصر النفايات.

وليحاول أن يفهم لماذا ظل هذا الموضوع مثار استياء رغم الاعتراضات المتداولة.

ثم ليخبر المواطن، بكل صراحة:

لأن الانتخابات تنتهي في يوم الاقتراع، أما المواطن فيبقى هنا، في الشارع نفسه، أمام النافذة نفسها، وتحت الحرارة نفسها، ويتعامل مع الخدمات نفسها والمسؤولين أنفسهم.

وهنا يكمن الفرق:

وفي المغرب الذي يطمح إلى تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، فإن أبسط التفاصيل اليومية قد تكون أحياناً أقوى من أكبر الشعارات.

فقد لا يحتاج المواطن إلى خطاب سياسي طويل حتى يحكم على أداء المسؤول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *