المغـرب: مقاطعة الانتخابات في ميزان الربح والخسارة… منطق الواقع، وحكمة الدين، وفقه المآلات، وسنن التدافع الحضاري

في اللحظات الانتخابية لا يواجه المواطن سؤالاً بسيطاً من قبيل: هل سيذهب إلى صندوق الاقتراع أم سيبقى في منزله؟

السؤال، في حقيقته، أكثر عمقاً:

هل المشاركة قادرة على صناعة فرق؟ وهل المقاطعة قادرة على صناعة فرق؟ ومن يدفع ثمن كل خيار؟ ومن يحصد ثماره؟

فالانتخابات ليست مجرد عملية تقنية لاختيار ممثلين، كما أن المقاطعة ليست مجرد امتناع فردي عن التصويت.

كلاهما يمكن أن يصبح فعلاً سياسياً.

غير أن الفعل السياسي لا تقاس قيمته بمجرد صدق النية، وإنما بما ينتجه من آثار، وما يفتحه من إمكانات، وما يغلقه من أبواب.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من قاعدة مركزية:

فقد يكون التصويت موقفاً.

وقد تكون المقاطعة موقفاً.

لكن الموقف الذي لا يتحول إلى تأثير قد يبقى مجرد تعبير عن الذات.

المقاطعة الانتخابية ليست ظاهرة واحدة.

فقد تكون:

– احتجاجاً على شروط العملية الانتخابية.

– رفضاً للمرشحين.

– تعبيراً عن أزمة ثقة.

– وسيلة للضغط السياسي.

– موقفاً أخلاقياً.

– أو مجرد عزوف ناتج عن اللامبالاة.

وهذه الحالات لا يمكن وضعها في سلة واحدة.

فالمقاطعة المنظمة ذات المطالب الواضحة تختلف جذرياً عن العزوف الفردي غير المنظم.

الأولى قد تتحول إلى قوة تفاوضية.

أما الثانية فقد تنتهي إلى الغياب.

ومن هنا يصبح السؤال:

فالفرق بينهما ليس في عدد الممتنعين فقط، وإنما في وجود مشروع سياسي لما بعد الامتناع.

كل قرار سياسي يحمل كلفة.

المشاركة لها مكاسبها ومخاطرها.

والمقاطعة لها مكاسبها ومخاطرها.

قد تربح المشاركة:

حضوراً داخل المؤسسات، وإمكانية التأثير في اختيار الممثلين، وإضعاف بعض الخيارات السيئة، وفتح مجال للمساءلة والمراقبة.

لكنها قد تخسر إذا تحولت إلى تصويت أعمى أو تزكية مجانية أو إعادة إنتاج لنفس الوجوه والسياسات.

وقد تربح المقاطعة:

إرسال رسالة احتجاج، ورفع كلفة تجاهل مطالب المجتمع، وكشف أزمة الثقة، إذا كانت واسعة ومنظمة وقادرة على إنتاج ضغط سياسي حقيقي.

لكنها قد تخسر عندما تترك المجال السياسي لمن يشاركون، فتتحول القوة العددية الغاضبة إلى قوة صامتة لا تدخل في معادلة احتساب النتائج.

ومن هنا:

الربح يتوقف على السياق، والتنظيم، والهدف، والنتيجة.

من أكثر الحجج حضوراً في خطاب المقاطعة أنها تسحب الشرعية من العملية الانتخابية.

لكن ينبغي التمييز بين:

الشرعية السياسية والأخلاقية للعملية،

وبين:

قد تكون نسبة المشاركة ضعيفة، فتشكل مؤشراً سياسياً على وجود أزمة ثقة.

لكن انخفاض المشاركة لا يعني تلقائياً إلغاء النتائج.

وهنا تظهر المفارقة:

وهذا هو الفارق بين التأثير الرمزي والتأثير المؤسسي.

حين تنسحب جماعة من الساحة الانتخابية، لا تتوقف العملية.

الساحة يملؤها الآخرون.

ومن يملك التنظيم، والموارد، والشبكات، والقدرة على التعبئة، يكون أكثر قدرة على تحويل حضوره إلى مقاعد وتمثيل.

وهنا تكمن إحدى أخطر المفارقات:

هذه ليست دعوة آلية إلى المشاركة.

إنها دعوة إلى حساب المآل.

إذا كان الهدف من الفعل السياسي هو الإصلاح، فإن الحكم على الوسيلة لا ينبغي أن يتوقف عند النية.

بل ينبغي أن يمتد إلى النتيجة.

فقد يكون الامتناع عن التصويت، في سياق معين، أقل ضرراً من المشاركة.

وقد تكون المشاركة، في سياق آخر، أقل ضرراً من المقاطعة.

وهنا يبرز منطق:

المصلحة والمفسدة.

والسؤال:

وهذه المقاربة تمنع تحويل المقاطعة أو المشاركة إلى عقيدة سياسية جامدة.

لا ينبغي أن يتحول الدين إلى أداة لتبرير موقف انتخابي مسبق.

لكن القيم القرآنية تقدم إطاراً أخلاقياً مهماً للنظر في المسؤولية العامة.

فالقرآن يؤكد:

العدل، والأمانة، والشهادة، وعدم التعاون على الإثم والعدوان.

قال تعالى:

«﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾»

وقال سبحانه:

«﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾»

وقال:

«﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾»

وهنا يتحول التصويت من حركة ميكانيكية إلى سؤال أخلاقي:

لمن أمنح صوتي؟

وكذلك تتحول المقاطعة إلى سؤال أخلاقي:

هل امتناعي سيمنع الضرر أم سيترك الساحة لمن أراه أكثر ضرراً؟

وهذا هو جوهر المسؤولية.

من الأخطاء الفكرية اختزال التصويت في معنى التأييد المطلق.

قد يختار المواطن مرشحاً لأنه يراه الأفضل بين البدائل المتاحة.

وقد يختار الأقل ضرراً.

وقد يختار برنامجاً معيناً.

وقد يصوت لمن يعتقد أنه أكثر قدرة على خدمة الصالح العام.

إذن:

«التصويت ليس شهادة عصمة.»

بل هو اختيار بشري قابل للنقد والمراجعة والمحاسبة.

ومن هنا لا ينبغي للمشارك أن يمنح صوته ثم يتنازل عن حقه في مساءلة من اختاره.

يمكن للمقاطعة أن تصبح فعلاً سياسياً قوياً إذا لم تتوقف عند:

«لن نصوت».

بل انتقلت إلى:

«لن نصوت، وهذه أسبابنا، وهذه مطالبنا، وهذه رؤيتنا، وهذه أدواتنا بعد الانتخابات».

فالمقاطعة التي لا تملك اليوم التالي للانتخابات قد تتحول إلى نهاية للفعل السياسي.

أما المقاطعة التي تملك مشروعاً مجتمعياً ومدنياً وإعلامياً وتنظيمياً، فقد تتحول إلى وسيلة ضغط.

وهنا يصبح السؤال:

أهم من السؤال:

المشاركة الواعية لا تبدأ وتنتهي بالصندوق.

بل تبدأ بالاختيار.

ثم تستمر بالمراقبة.

ثم تتحول إلى مساءلة.

ثم إلى تقييم.

ثم إلى محاسبة سياسية في الاستحقاق التالي.

وهكذا يصبح المواطن:

ناخباً → مراقباً → مسائلاً → محاسباً.

وهذا هو المواطن الذي يصعب التلاعب به.

إن المجال العام لا يترك فارغاً.

إذا انسحب منه العقلاء، لا ينسحب منه الجميع.

وإذا غابت الكفاءات، لا تغيب الرغبات في السيطرة.

ومن هنا يصبح الحضور المدني والسياسي أحد شروط حماية المجال العام من الاحتكار.

قال تعالى:

«﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾»

والتدافع الحضاري لا يعني الصراع من أجل الصراع.

بل يعني وجود قوى مجتمعية متعددة تتنافس سلمياً على خدمة الصالح العام.

هذا هو السؤال المركزي.

لكن الإجابة ليست واحدة.

فقد تصب في مصلحة المحتجين إذا كانت منظمة وواسعة وذات أهداف واضحة.

وقد تصب في مصلحة القوى الأكثر تنظيماً إذا كان الآخرون غائبين.

وقد لا تحقق أثراً يذكر إذا بقيت مجرد امتناع فردي متفرق.

لذلك فإن الحكم عليها يجب أن يكون تجريبياً وواقعياً، لا أيديولوجياً.

نسأل:

– ما نسبة المقاطعة؟

– من قاطع؟

– لماذا قاطع؟

– من شارك؟

– من استفاد من الغياب؟

– كيف توزعت الأصوات؟

– هل تغيرت النتائج؟

– هل تغير سلوك الفاعلين؟

– هل ظهرت إصلاحات بعد المقاطعة؟

– وهل تحولت المقاطعة إلى قوة تفاوضية؟

عندها فقط نستطيع أن نتحدث عن ربح أو خسارة.

في السياق المغربي، لا يمكن دراسة العزوف والمقاطعة بمعزل عن علاقة المواطن بالأحزاب والمؤسسات، وعن جودة التمثيلية، وعن الثقة السياسية، وعن الأداء الاقتصادي والاجتماعي، وعن قدرة المنتخبين على تحويل الوعود إلى سياسات ونتائج.

ومن هنا فإن القضية ليست فقط:

كم بلغت نسبة المشاركة؟

بل:

ما نوع المشاركة؟

و:

ما مستوى الوعي الذي صاحبها؟

فالهدف ليس ملء صناديق الاقتراع بالأوراق فقط.

بل بناء تمثيلية أكثر جودة.

في بعض المجتمعات لا يكون العزوف ناتجاً عن الكسل أو اللامبالاة.

قد يكون تعبيراً عن:

– فقدان الثقة.

– الشعور بعدم جدوى الصوت.

– ضعف البدائل.

– تكرار الوجوه.

– عدم الوفاء بالوعود.

– الإحساس بأن المواطن لا يُستدعى إلا موسمياً.

وهنا يصبح العزوف مؤشراً يحتاج إلى تفسير، لا مجرد رقم يحتاج إلى إدانة.

لكن تشخيص المرض شيء.

واختيار العلاج شيء آخر.

فقد يكون العلاج بالمشاركة والإصلاح من الداخل.

وقد يكون بالضغط المدني.

وقد يكون بالمقاطعة المنظمة.

وقد يكون بمزيج من الأدوات.

ربما تكون المشكلة في السؤال نفسه.

فليس ضرورياً أن نحصر المواطن بين خيارين:

المشاركة أو المقاطعة.

هناك مساحة ثالثة:

المشاركة الواعية + الرقابة + التنظيم المدني + المساءلة + الترافع + الاحتجاج السلمي عند الضرورة.

فالمواطن لا يفقد صوته بمجرد انتهاء الانتخابات.

بل يبدأ صوته الحقيقي أحياناً بعد إعلان النتائج.

الخلاصة الأولى: المقاطعة ليست نجاحاً بمجرد ارتفاع عدد المقاطعين.

الخلاصة الثانية: المشاركة ليست نجاحاً بمجرد ارتفاع نسبة التصويت.

الخلاصة الثالثة: المعيار الحقيقي هو الأثر السياسي والاجتماعي.

الخلاصة الرابعة: المقاطعة غير المنظمة قد تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير.

الخلاصة الخامسة: المشاركة غير الواعية قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع نفسه.

الخلاصة السادسة: القرار السياسي الرشيد يحتاج إلى قراءة المآلات، لا إلى الانطلاق من الانفعال وحده.

الخلاصة السابعة: الدين يقدم منظومة أخلاقية للمسؤولية والعدل والأمانة، لكنه لا يلغي ضرورة قراءة الواقع.

الخلاصة الثامنة: الانتخابات ليست نهاية المشاركة السياسية، بل إحدى حلقاتها.

لا ينبغي أن يكون السؤال:

«هل أنت مع المقاطعة أم ضدها؟»

بل:

««أي خيار، في هذا السياق المحدد، يحقق أكبر قدر من المصلحة العامة، ويقلل أكبر قدر من الضرر، ويمنح المواطن أكبر قدرة على التأثير والمساءلة؟»»

عند هذه النقطة فقط تنتقل القضية من الجدل الانتخابي إلى الفكر السياسي.

ومن رد الفعل إلى الفعل.

ومن الموقف إلى الاستراتيجية.

ومن الاحتجاج إلى التغيير.

فالسياسة ليست أن تقول:

لا.

وليست أن تقول:

نعم.

بل أن تعرف:

متى تقول لا، ولماذا تقولها، وماذا ستفعل بعدها؛ ومتى تقول نعم، ولمن تقولها، وكيف ستراقب من منحته هذه الـ«نعم».

وهنا يكمن جوهر المواطنة.

وهنا أيضاً يكمن السؤال الأصعب:

هل نريد أن نسجل موقفاً من الانتخابات… أم نريد أن نصنع أثراً بعدها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *