المغرب وإسبانيا.. زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية تفتح جبهة سياسية حساسة: هل تتحرك مدريد تحت ضغط اليمين؟

الوطن24/ خاص
تتجه الأنظار، خلال الأيام المقبلة، إلى مدينتي سبتة ومليلية، على وقع زيارة مرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس وحرمه الملكة ليتيثيا يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، في محطة ملكية تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية تتجاوز طابعها البروتوكولي.
فالزيارة، التي تأتي بعد سنوات من آخر زيارة ملكية إلى المدينتين، تفتح من جديد واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، في وقت شهدت فيه العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً، خصوصاً على مستوى التعاون الأمني ومكافحة الهجرة والجريمة المنظمة والتنسيق في عدد من الملفات الاستراتيجية.
لكن خلف الصورة البروتوكولية للزيارة يبرز سؤال سياسي أكثر حساسية: هل يتعلق الأمر بقرار مؤسساتي إسباني يراد منه تأكيد حضور الدولة في المدينتين، أم أن الحسابات السياسية الداخلية، وضغوط اليمين واليمين المتطرف، ساهمت في الدفع نحو هذه الخطوة؟
مدريد بين الترقب ومحاولة احتواء التداعيات
وتعيش الأوساط السياسية والدبلوماسية في العاصمة الإسبانية مدريد حالة من الترقب والحذر، على خلفية الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية.
وبحسب تقارير وإفادات إعلامية متطابقة، تكتسي الزيارة أهمية سياسية لافتة، بالنظر إلى ارتباطها بملف شديد الحساسية بالنسبة إلى صناع القرار والدبلوماسية المغربية، في ظل الموقف الرسمي الثابت للرباط الذي يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من التراب الوطني المغربي.
وتشير قراءات سياسية متداولة في مدريد إلى أن طبيعة الرد المغربي على الزيارة تبقى من أبرز علامات الاستفهام المطروحة، خصوصاً في ظل توترات شهدتها العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما حول ملفات الهجرة والحدود.
وفي المقابل، تفيد مصادر مطلعة بوجود قراءات أخرى داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية الإسبانية ترى أن مدريد تحاول تفادي أي انزلاق إعلامي أو دبلوماسي مع الرباط، من خلال الإبقاء على قنوات التواصل والتنسيق مفتوحة، بهدف حماية مناخ الثقة والتعاون الذي تطور بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما سيصدر عن الرباط من مواقف رسمية، يبقى السؤال المطروح في مدريد هو ما إذا كانت الزيارة ستظل في إطارها المؤسساتي والملكي، أم أنها ستتحول، بفعل التجاذبات السياسية الداخلية، إلى محطة جديدة لإعادة فتح ملف سبتة ومليلية وما يرتبط به من حساسيات سيادية بين البلدين.
هل تحركت مدريد تحت ضغط اليمين؟
لا توجد، إلى حدود الآن، معطيات معلنة تثبت أن قرار الزيارة اتُخذ نتيجة ضغط مباشر من حزب الشعب الإسباني أو حزب فوكس، كما أن السلطات الإسبانية لم تقدم الزيارة باعتبارها استجابة لمطلب حزبي.
غير أن توقيتها يأتي في ظل مناخ سياسي إسباني تتزايد فيه حساسية ملفي الهجرة والحدود، فيما جعلت أحزاب اليمين واليمين المتطرف من سبتة ومليلية ومن العلاقة مع المغرب موضوعاً متكرراً في خطابها السياسي.
وهنا تبرز فرضية سياسية لا يمكن تجاهلها، لكنها تحتاج إلى أدلة إضافية لإثباتها: هل أرادت مدريد من خلال الزيارة إعادة تأكيد حضورها السياسي في المدينتين في مواجهة الخطابات التي تتهم الحكومة بالتساهل في قضايا الحدود والهجرة؟
فالفصل بين القرار الملكي والحسابات الحزبية يظل ضرورياً، خصوصاً أن المؤسسة الملكية الإسبانية تتحرك في إطار مؤسسات الدولة، ولا يمكن اختزال قرار زيارة ملكية في مواقف حزب أو تيار سياسي دون أدلة مباشرة.
لكن في المقابل، فإن مجرد الإعلان عن الزيارة يمنح المعارضة الإسبانية فرصة لإعادة وضع ملف المدينتين في صدارة النقاش السياسي الداخلي.
المغرب أمام اختبار دبلوماسي جديد
بالنسبة إلى الرباط، لا يتعلق الأمر بزيارة عادية، إذ إن سبتة ومليلية تمثلان ملفاً سيادياً حساساً ظل حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية لعقود.
وتؤكد المملكة، في مواقفها الرسمية، أن المدينتين جزء من التراب الوطني المغربي، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما.
وهذا التباين في المواقف لم يمنع البلدين من بناء مستوى متقدم من التعاون في ملفات أخرى، وهو ما جعل العلاقة المغربية الإسبانية تقوم، في السنوات الأخيرة، على محاولة إدارة الخلافات دون السماح لها بإسقاط مجالات التعاون المشترك.
غير أن الزيارة الملكية المرتقبة قد تختبر هذا التوازن من جديد.
فإذا ظلت الزيارة في إطارها المؤسساتي، واكتفت بتأكيد حضور الدولة الإسبانية دون رسائل سياسية إضافية تجاه المغرب، فقد تمر المحطة بأقل قدر من التداعيات الدبلوماسية.
أما إذا تحولت إلى مناسبة لإطلاق تصريحات أو مواقف ذات طابع تصعيدي، فإن ملف سبتة ومليلية قد يعود بقوة إلى واجهة العلاقات الثنائية.
شراكة استراتيجية في مواجهة الحسابات الداخلية
تكتسب هذه التطورات أهميتها من كون المغرب وإسبانيا أصبحا شريكين أساسيين في ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
فالتعاون الأمني بين البلدين، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، وتدبير ملف الهجرة، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والتجارية، كلها ملفات تجعل استقرار العلاقات بين الرباط ومدريد ذا أهمية للطرفين.
ومن هذه الزاوية، فإن تحويل سبتة ومليلية إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني قد يضع الحكومة الإسبانية أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على خطابها تجاه المدينتين، وفي الوقت نفسه تحمي مستوى التعاون الذي بنته مع المغرب؟
كما أن الرباط بدورها قد تجد نفسها أمام ضرورة الموازنة بين موقفها الثابت من قضية المدينتين، وبين حرصها على عدم السماح لهذه القضية بإحداث قطيعة مع شريك استراتيجي في الضفة الشمالية للمتوسط.
هل تدرك مدريد حساسية الخطوة؟
السؤال الحقيقي الذي تطرحه زيارة فيليبي السادس وليتيثيا ليس ما إذا كان من حق الملك الإسباني زيارة مدينتين تعتبرهما بلاده جزءاً من أراضيها، فهذا موقف إسباني معروف.
السؤال هو كيف ستُدار الزيارة سياسياً وإعلامياً، وما هي الرسائل التي سترافقها؟
ففي العلاقات الدولية، لا تكمن أهمية بعض الزيارات في المكان الذي يزوره المسؤول فقط، وإنما في التوقيت والرسائل والسياق السياسي المحيط بها.
ومن هنا، فإن أي محاولة لاستثمار الزيارة في مواجهة المغرب، أو استخدامها في سجالات حزبية داخلية، قد تعيد فتح ملفات حساسة كان الطرفان قد نجحا في إبقائها، إلى حد كبير، خارج مسار التعاون اليومي.
الرباط تراقب.. ومدريد أمام اختبار الرسائل
مع اقتراب موعد الزيارة، تبدو الأنظار متجهة إلى الرباط لمعرفة طبيعة الموقف الرسمي المغربي، كما تترقب مدريد حدود رد الفعل الذي قد يصدر عن المملكة.
وحتى الآن، لا يمكن الجزم بأن الزيارة تمثل تراجعاً في مسار التقارب المغربي الإسباني، كما لا يمكن اعتبارها دليلاً على خضوع مدريد لضغوط اليمين أو اليمين المتطرف.
لكن المؤكد أن اختيار سبتة ومليلية كمحطة للملك الإسباني يحمل حساسية سياسية خاصة، وأن الطريقة التي ستدبر بها الزيارة قد تكون أهم من الزيارة نفسها.
فهل ستكون محطة ملكية بروتوكولية لتأكيد حضور الدولة الإسبانية في المدينتين؟
أم أنها ستتحول، بفعل التجاذبات السياسية الداخلية، إلى ورقة جديدة في الصراع حول الهجرة والحدود والعلاقة مع المغرب؟
الساعات والأيام المقبلة ستكون كفيلة بالكشف عن طبيعة الرسائل التي ستبعث بها مدريد، وعن حجم رد الفعل المغربي، وما إذا كان الطرفان سينجحان مرة أخرى في احتواء ملف سبتة ومليلية بعيداً عن مسار الشراكة الاستراتيجية التي تجمعهما.
