المغـرب: سمير بلفقيه وزيراً للتعمير وناطقاً رسمياً باسم الحكومة.. من الجامعة إلـى قيادة قطاع استراتيجي

الوطن24/ الرباط
انتقل سمير بلفقيه من رحاب الجامعة والعمل البرلماني والتدبير الجهوي إلى المسؤولية الحكومية، بعدما عينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، وزيراً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وناطقا رسمياً باسم الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويضع هذا التعيين اسماً يجمع بين التجربة الأكاديمية والممارسة السياسية على رأس قطاع يرتبط مباشرة بالتنمية المجالية وظروف عيش المواطنين، في وقت تواجه فيه المدن المغربية تحديات متزايدة تتعلق بالسكن والتوسع العمراني وتوفير التجهيزات الأساسية وتحسين جودة المجالات الحضرية.
ويخلف بلفقيه فاطمة الزهراء المنصوري في تدبير الوزارة، بعدما انتقلت إلى رئاسة الحكومة، كما يتولى مهمة الناطق الرسمي باسم الجهاز التنفيذي خلفاً لمصطفى بايتاس، في إطار التشكيلة الحكومية الجديدة التي أُعلن عنها رسمياً في الرباط.
مسار أكاديمي وسياسي متعدد المحطات
ينحدر سمير بلفقيه من مدينة صفرو، وراكم تجربة في التعليم العالي والبحث العلمي والعمل المؤسساتي، قبل أن ينتقل إلى ممارسة المسؤوليات السياسية والبرلمانية.
واشتغل في المجال الجامعي بالمغرب وفرنسا، وتولى إدارة المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط، التابعة لجامعة محمد الخامس، وهي مؤسسة تعنى بتكوين المهندسين وتطوير البحث العلمي في المجالات الصناعية والتكنولوجية.
كما ارتبط مساره بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حيث شارك في قضايا تتصل بحكامة المنظومة التربوية وإصلاح التعليم وتطوير البحث العلمي.
وتشكل هذه التجربة أحد أبرز ملامح مساره قبل توليه المسؤولية الحكومية، وإن كان الانتقال إلى تدبير قطاع وزاري يفرض نوعاً مختلفاً من المسؤوليات، يقوم على تنزيل السياسات العمومية وتنسيق عمل المؤسسات ومتابعة النتائج على أرض الواقع.
من البرلمان إلى تدبير التنمية المجالية
دخل بلفقيه المؤسسة التشريعية عقب الانتخابات البرلمانية لسنة 2011، عندما انتخب نائباً بمجلس النواب عن حزب الأصالة والمعاصرة ضمن اللائحة الوطنية.
وخلال الولاية التشريعية الممتدة بين سنتي 2011 و2016، شارك في أشغال لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة، وهي لجنة تناولت ملفات تتقاطع مع عدد من الاختصاصات التي يشرف عليها اليوم.
كما خاض تجربة في العمل الجهوي من خلال عضويته بمجلس جهة الرباط سلا القنيطرة، وتوليه رئاسة هيئة التنمية الاقتصادية داخل المجلس، حيث ارتبطت مسؤولياته بملفات الاستثمار والتنمية المجالية.
وعلى المستوى الحزبي، شغل عضوية المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، وبرز اسمه خلال المؤتمر الوطني الرابع للحزب سنة 2020، حين دخل سباق الأمانة العامة قبل أن يعلن انسحابه من المنافسة، معبراً عن اعتراضه على الشروط التي جرت فيها المنافسة، وفق موقفه المعلن آنذاك.
وتعكس هذه المحطات مساراً جمع بين العمل الأكاديمي والمشاركة في المؤسسات المنتخبة والنشاط الحزبي، فيما تظل المسؤولية الحكومية الحالية محطة مختلفة، تتطلب الانتقال من المشاركة في النقاش وصياغة المواقف إلى تحمل مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية.
السكن والتعمير.. امتحان النتائج على أرض الواقع
تنتظر الوزير الجديد ملفات متعددة، في مقدمتها تحسين شروط الولوج إلى السكن، ومواكبة التحولات العمرانية التي تعرفها المدن المغربية، وتسريع إعداد وثائق التعمير، وتعزيز التنسيق بين الوزارة والوكالات الحضرية والجماعات الترابية وباقي المؤسسات المعنية.
ويكتسي ملف السكن أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية للأسر، وتكاليف اقتناء العقار أو كرائه، والحاجة إلى توفير مساكن لائقة تتوفر على التجهيزات الأساسية وتستجيب لمتطلبات العيش الكريم.
كما تبرز تحديات مرتبطة بتحديث أدوات التخطيط الحضري، وتحسين وضوح المساطر الإدارية، وتقليص التعقيدات التي قد تواجه المواطنين والمستثمرين، مع ضمان احترام القوانين المنظمة للتعمير وحماية المجال البيئي.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إعداد مخططات جديدة، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضمان انسجام التوسع العمراني مع حاجيات السكان من النقل والمدارس والمرافق الصحية والفضاءات العمومية.
وفي هذا السياق، ستكون فعالية السياسات المعتمدة مرتبطة بقدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار العقاري والاستجابة للحاجيات الاجتماعية، مع الحد من الاختلالات المجالية التي تظهر في عدد من المدن والأحياء.
طنجة والمدن الكبرى أمام تحديات التوسع العمراني
تقدم جهة طنجة تطوان الحسيمة نموذجاً للتحديات التي يطرحها النمو الحضري المتسارع، خصوصاً في مدينة طنجة وضواحيها، حيث تبرز الحاجة إلى مواكبة التوسع العمراني بتجهيزات أساسية ومرافق عمومية تتناسب مع التحولات السكانية والاقتصادية.
ويستدعي هذا الواقع تنسيقاً أكبر بين المصالح المركزية والوكالات الحضرية والجماعات الترابية، بما يضمن انسجام المشاريع السكنية والصناعية مع متطلبات التخطيط الحضري وجودة الحياة.
كما تظل إعادة تأهيل المدن العتيقة وتحسين الفضاءات العامة ومعالجة التفاوت بين الأحياء من القضايا التي تستوجب مقاربة شاملة، تتجاوز البناء والتوسع إلى تحسين الخدمات وظروف العيش.
وتطرح هذه الملفات سؤالاً أساسياً أمام الوزارة: كيف يمكن تحويل النمو العمراني والاستثمار العقاري إلى تنمية متوازنة يستفيد منها المواطن، بدل أن يقتصر أثرهما على التوسع في البناء؟
الناطق الرسمي باسم الحكومة.. التواصل مسؤولية موازية
إلى جانب تدبير وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، يتولى بلفقيه مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، وهي مسؤولية تضعه في واجهة التواصل بين الجهاز التنفيذي ووسائل الإعلام والرأي العام.
وتشمل هذه المهمة تقديم المعطيات الرسمية بشأن اجتماعات مجلس الحكومة وقراراته، وتوضيح مواقف الجهاز التنفيذي، وشرح السياسات العمومية التي تهم المواطنين.
وتزداد أهمية التواصل الحكومي في مرحلة ترتفع فيها انتظارات المجتمع بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية، إذ لا يكفي الإعلان عن القرارات، بل تبرز الحاجة إلى شرح أهدافها وآليات تنفيذها وآجالها، وتقديم معلومات واضحة حول ما تحقق وما لا يزال قيد الإنجاز.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمع بين حقيبة وزارية ومهمة الناطق الرسمي يضع بلفقيه أمام مسؤوليتين متوازيتين: المساهمة في تدبير قطاع استراتيجي، وضمان نقل القرارات والمواقف الحكومية إلى الرأي العام بوضوح ودقة.
مرحلة جديدة عنوانها التنفيذ والمساءلة
يمثل تعيين سمير بلفقيه محطة جديدة في مساره الأكاديمي والسياسي، لكنه يفتح أيضاً مرحلة من المسؤولية التنفيذية التي ستقاس نتائجها بمدى التقدم في معالجة الملفات المطروحة على القطاع.
فالتحدي لا يكمن فقط في امتلاك تجربة جامعية وبرلمانية وجهوية، بل في القدرة على توظيفها في تطوير التخطيط الترابي، وتحسين تدبير ملفات التعمير والسكن، وتبسيط المساطر، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية.
كما سيظل أداؤه في مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة موضع متابعة إعلامية، بالنظر إلى أهمية التواصل المنتظم في توضيح القرارات الحكومية ومتابعة الالتزامات المعلنة.
وبين رهانات التنمية العمرانية ومتطلبات التواصل المؤسساتي، تبدأ أمام الوزير الجديد مرحلة تتطلب وضوح الأولويات وفعالية التنفيذ والقدرة على تقديم نتائج ملموسة، بما يستجيب لانتظارات المواطنين ويعزز الثقة في السياسات العمومية.
