100 مليون أورو من فرنسا لتطوير موانئ الصحراء المغربية.. شراكة استراتيجية تعزز التنمية وتكرّس التوجه الأطلسي للمملكة

في خطوة جديدة تعكس تطور الشراكة الاقتصادية بين المغرب وفرنسا، وقّعت الوكالة الوطنية للموانئ والوكالة الفرنسية للتنمية، الثلاثاء 3 نونبر 2026 بالرباط، إعلاناً مشتركاً يتعلق بتمويل ثالث بقيمة 100 مليون أورو، مخصص لدعم تنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة وتطوير موانئ خضراء، في إطار البرنامج الاستثماري للوكالة الوطنية للموانئ للفترة 2023-2030.

ويكتسي هذا الاتفاق أهمية اقتصادية واستراتيجية خاصة، بالنظر إلى طبيعة المشاريع المبرمجة والمناطق المستفيدة منها، والتي تشمل طانطان وطرفاية والعيون وبوجدور والداخلة والمهيريز، بما يعزز مكانة الواجهة الأطلسية للأقاليم الجنوبية باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاندماج الإقليمي والانفتاح على العمق الإفريقي.

وجرى توقيع الإعلان المشترك من طرف المدير العام للوكالة الوطنية للموانئ، مصطفى فارس، ومديرة الوكالة الفرنسية للتنمية بالمغرب، كاترين بونو، بحضور وزير التجهيز والماء والغابات، نزار بركة، وسفير فرنسا بالمغرب، فيليب لاليو، إلى جانب المدير العام للوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، عبد اللطيف زغنون.

وأكد نزار بركة، بالمناسبة، أن هذا التمويل يشكل محطة جديدة في مسار تعاون طويل الأمد قائم على الثقة المتبادلة وتلاقي الطموحات، مبرزاً أن الشراكة بين المؤسستين تعكس الدور الذي يمكن أن تضطلع به مؤسسات التمويل التنموي في مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى وتحديث البنيات التحتية الوطنية.

وشدد الوزير على أن المشاريع المينائية المرتقبة في الأقاليم الجنوبية لا تمثل مجرد استثمارات موزعة جغرافياً، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية تروم مواكبة تنمية الصحراء المغربية، وتعزيز اندماجها في الاقتصاد الوطني، وتثمين مؤهلاتها البحرية وموقعها الأطلسي، بما يجعل منها أقطاباً اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات وتطوير المبادلات التجارية.

وأضاف أن هذه الدينامية تنسجم مع الرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي تضع الأقاليم الجنوبية في صلب المسار التنموي للمملكة، وتعزز توجه المغرب نحو الفضاء الأطلسي باعتباره مجالاً استراتيجياً للتعاون الاقتصادي والتكامل الإفريقي.

من جانبه، أبرز السفير الفرنسي بالمغرب، فيليب لاليو، الأهمية الاستراتيجية للبنيات التحتية المينائية في دعم الاقتصاد الوطني، مستحضراً التجربة المغربية في تطوير منشآت مينائية ذات إشعاع دولي، وفي مقدمتها المركب المينائي طنجة المتوسط.

كما أكد ضرورة تعزيز قدرة المنشآت الساحلية على مواجهة التغيرات المناخية، خاصة ارتفاع منسوب مياه البحر والأمواج العاتية، معتبراً أن حماية البيئة وتحسين ظروف عيش السكان والعمل داخل الفضاءات المينائية ينبغي أن يشكلا جزءاً أساسياً من هذا التعاون.

وجدد الدبلوماسي الفرنسي التأكيد على إرادة بلاده مواكبة التنمية في مختلف جهات المملكة، ولا سيما الأقاليم الجنوبية، في تجسيد عملي للالتزامات التي أعلنتها فرنسا على أعلى مستوى.

ويأتي التمويل الجديد في شكل قرض غير سيادي بشروط تفضيلية، يمتد على مدى 13 سنة، وممنوح دون ضمانة من الدولة، بما يعكس الثقة في النموذج المالي للوكالة الوطنية للموانئ وقدرتها على تدبير برامجها الاستثمارية وتمويل مشاريعها الكبرى باستقلالية.

ويرتكز البرنامج الاستثماري للوكالة خلال الفترة 2023-2030 على أربعة محاور أساسية، تشمل إعادة تأهيل وتقوية البنيات التحتية المينائية، وتطوير الطاقات المتجددة وتحلية المياه غير التقليدية، وتوسيع موانئ الصيد البحري وتحديثها، فضلاً عن إزالة الكربون وكهربة الأرصفة المينائية.

ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على تحديث المنشآت المينائية، بل تمتد إلى دعم الاقتصاد الأزرق، وتحسين تنافسية الموانئ، وخلق شروط أفضل لاستقطاب الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنقل البحري والصيد البحري والخدمات اللوجستية.

ويأتي هذا الاتفاق امتداداً للالتزامات التي جرى الإعلان عنها خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في 28 أكتوبر 2024، والتي شكلت محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، وأعطت دفعة جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

وتبرز أهمية التمويل الثالث في كونه ينقل جانباً من هذا التقارب إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، تستهدف البنيات التحتية والاقتصاد الأخضر والتنمية الترابية، مع تركيز واضح على الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وفي المحصلة، فإن استثمار 100 مليون أورو في تطوير الموانئ الخضراء بالأقاليم الجنوبية يحمل أبعاداً تتجاوز قيمته المالية، إذ يرتبط بتعزيز البنية الاقتصادية للصحراء المغربية، وترسيخ اندماجها في المنظومة الوطنية، وتقوية موقع المملكة داخل المبادلات الأطلسية والإفريقية.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تعبئة التمويلات الدولية، وإنما في تحويلها إلى مشاريع منتجة وفرص اقتصادية مستدامة، تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين، وتدعم التنمية المجالية، وتكرس مكانة الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً استراتيجياً في مستقبل المغرب الاقتصادي والأطلسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *